في الصحافة

ابناء وقتلة في احوال المستطيل - بقلم محمد سويد

21/09/2012

أبناء وقتلة في أحوال المستطيل

يعطي التلفزيون الشهرة ويستمدّها في آن واحد. يعطيها إلى مَنْ كان مغموراً، يجعله ضيفاً منتظراً للمشاهدين، ويستمدّها ممّن يُصنَّفون مشاهير ولا يعوزهم الظهور على شاشة أو التصريح في أماكن عامّة إلاّ دفاعاً عن صيت وتصديّاً لحملة تستهدفهم رصيداً معنويّاً وثروة. مَنْ كان غفلاً أعطاه التلفزيون امتياز الشهرة. ومن كان شهيراً أمدّ التلفزيون بسبق استضافته على أثيره. بين الامتياز، وما يدرهّ من مزايا، والشهرة، وما يتخللها من تشهير، تدور لعبة التلفزيون.
 

أشخاصٌ من طراز بيل غيتس ومارك زاكربرغ، مؤسسَي "مايكروسوفت" و"فايسبوك"، لا ينقصهم امتياز إطلالة غير محسوبة على التلفزيون. يعلمون تماماً أنهم مخوّلون منح التلفزيون امتياز الظهور وشرفه. عكسُ ذلك يعني الذهاب طوعاً إلى لعبة وقّتها التلفزيون خارج اعتبار ضيف الشرف ومصالحه. مجاراة التلفزيون في لعبته مجازفة في السمعة والمصير، على ما أصاب زاكربرغ في مساجلة حيّة في آذار 2010. أثناء مشاركته في مؤتمر عن الثورة الرقميّة، حاصره الصحافيان المحنّكان والخبيران المخضرمان في التكنولوجيا والت موسبرغ وكارا سويشر، أمطراه بأسئلة تناولت انتهاك "فايسبوك" خصوصية الفرد وقواعدها الأخلاقية في ممارسة المهنة. من السؤال الأول، انهار أصغر ملياردير متبجّح في العالم، تلعثم، خرّ صريعاً بعرقه وهوَّن عليه محاوراه الأمر بحضّه على خلع سترته تخفيفاً للعرق المتقطّر من فروة رأسه نزولاً إلى منخاريه مروراً بجفنيه وسالفيه.
 

تي شرت
 

المشاهير غيرُ الساعين إلى الشهرة. الأوّلون يمسكون بزمام سلطة متينة ومتجذرة، على غرار "مايكروسوفت" و"فايسبوك"، والآخرون يهمّهم من الشهرة جذب الأنظار وتربية معجبين والسير على صراط الجاه والأمان من غدر الزمان. المشاهير، ولو قنّنوا إطلالاتهم مدّعين الزهد والغنى عن التلفزيون، إلاّ أنهم، وحين تضطرّهم الحاجة إلى انتهاز فرصة الخروج على الرأي العام، في مؤتمر صحافي أو عبر برنامج حواري من تقديم نجم تلفزيوني يبزّهم في الشهرة، فلا يتوانون عن استئجار صناعة التلفزيون برمتها وشراء خدمات مرشديه الإعلاميين والنفسيين والمُبرّجين والمُلبسين وضابطي الأداء. تؤخذ العبرة من التحسن المطرّد في أداء مارك زاكربرغ أمام الكاميرا تزامناً وتقدّمه في الشهرة وتعلّمه من تجاربها. بعد مواجهته غير المتكافئة مع صحافيَين متمرّسَين، استعان بالمستشارين، تفهّم نقاط ضعفه، تغلب على خجله وخشية تكلّمه في أمور حميمة. أثار الفضول ووجّهه صوب تي شيرت يرتديها دائماً ولا يغيّرها. جعلها مادّة دسمة للحديث عنه وجعلته شخصيّة روائيّة معروفة من ملبسها. حيك الكثير حول سرّ الـ تي شيرت، وسُرَّ صاحبها بتناقل طرفة تعوّده شراء عشر قطع أو عشرين قطعة منها بالماركة نفسها واللون نفسه. للمفارقة تبيّن من فيلم وثائقي أُنتج السنة الجارية أن أباه درج أيضاً على ارتداء تي شيرت في معظم المناسبات. بين المشاهير والساعين إلى الشهرة، تقتضي هالة السلطة من الأوّلين تقنين الظهور وعدم ابتذال الصورة في خصوصيتها، شيءٌ أشبه بالذات الملكيّة والاعتصام بالصمت قبل مواجهة الاتهامات والارتماء في لجّة الاشتباك ردّاً للاعتبار. كانت هذه حال غيتس وزاكربرغ. لمّا ضربا آفاق الشهرة، طوّقهما خصومهما بدعاوى قانونيّة طاولت تعدّيهما على براءات اختراع توسّلاً لاحتكار الأسواق والإثراء السريع. طاردتهما العدسات على عتبات المحاكم. وسواء أأذعن غيتس لحكم القضاء باعتماد "مايكروسوفت" أساليب الاختلاس والاحتكار والابتزاز، أم وارب زاكربرغ في نكران مزاعم التوأمين كاميرون وتايلر وينكلفوس بانتحاله فكرتهما في تطوير موقع "فايسبوك"، لم ينج المليارديران الأميركيّان من التشهير بسوء أمانتهما وانغماسهما في ممارسات غير أخلاقيّة بخداع الشريك وإزاحة الصديق وخيانة الحليف، كأنهما أعادا تمثيل القصة القديمة المتكرّرة عن السلطة وغرورها المدمّر.
 

صوناً للشهرة وإنقاذاً للسمعة، نزل مؤسسا "مايكروسوفت" و"فايسبوك" إلى وسائل الإعلام. احتكما إلى الصورة، إلى سلطة الصورة. يتطابق تصرّفهما مع مثيله في الجانب الآخر من عالم المشاهير، جانب الرؤساء والحاكمين بقوّة التوريث في معنى الشركة السياسية (الثنائي الروسي بوتين - مدفيديف) أو منحاه العائلي المباشر (نموذجا كوريا الشماليّة وسوريا، وسابقاً في مصر وليبيا). فلا يقلّ رؤساء الأنظمة استخداماً للمستشارين الإعلاميين ومديري العلاقات العامة وجرّاحي عمليات التجميل المؤخِّر لعلامات الشيخوخة. في إعداد نفسه للأضواء، استنفد فلاديمير بوتين شفط الدهون ونفخ البوتوكس في ردفيه ووجنتيه. ولم يعد خافياً، بعد خلعه، تسليم الرئيس الأسبق حسني مبارك وجهه لعناية محمد عشّوب، ماكيير السينما المصرية. وفي حمأة قمعه الضارب في أرجاء بلده وأرواح مواطنيه، كشف اختراق البريد الإلكتروني للرئيس السوري الحالي عن إسداء مستشارة صحافيّة النصح له بالنزول إلى الشارع وخلع ربطة عنقه اقتداءً بالرئيس الأميركي باراك أوباما في استعطاف الجمهور وحشده دعماً لسياساته.
 

ينضوي رئيسا سوريا وروسيا في فرقة المشاهير. في خدمة كلّ منهما لفيف من الساهرين على نظافة صورهما. آنفاً، قلت إن المشاهير يعفّون عن الظهور بكثرة لئلا تُبتذل صورهم. والآن، أستدرك أن الابتذال ليس في الصورة وإنما في السلطة مُحالةً على صورة، كلما تلطّخت ازدادت الحاجة إلى تنظيفها، أسوةً بما ذهب إليه الرئيس السوري الوارث في وصف ما يدور في بلاده بعملية "تنظيف".
 

عصفورية الصمت
 

في الكويت، ما بعد الغزو العراقي، بحث الألماني فرنر هرتزوغ عن شهادات لمنكوبين وضحايا. عثر على أم وولد ورجل أو إثنين. واحداً تلو الآخر، أوقفهم أمام الكاميرا. حاول محاورتهم في الحرب. طرح أوّل أسئلته. لم يسمع جواباً. اكتشف أنهم صمٌّ بكمٌ. ما كان خرسهم ناشئاً من خلل في النطق أو الولادة. قبل الحرب، كانوا قادرين على الكلام. غداة الهلع وخسارة ذويهم، لعنوا نصيبهم ومصيبتهم بالصمت. فقدوا شهية الكلام. أخرج هرتزوغ شريطاً وثائقيّاً عنوانه "دروس الظلام". من غير المنطقي تشبيه سوريا اليوم بكويت العقدين الفائتين، ومن غير اللائق مقارنة هرتزوغ بمندوبة تلفزيون "الدنيا" ودهمها أحياء داريا ومقابرها بعدّة تصويرها وميكروفوناتها وبحراسة الفرقة الرابعة وشبّيحتها. المخرج الألماني استنطق الحياة، ومراسلة "الدنيا" استجوبت الموت. صنع فرنر هرتزوغ فيلماً ووضعت المراسلة ميشلين عازر تقريراً. فيلمه درسٌ في سينما تجلّ الحياة، وتقريرها درسٌ في قصر النظر. ارتدت سترة واقية ضد الرصاص، زرقاء اللون، مغسولة جيّداً، "نظيفة" كسائر ملبسها. تدثرت بكل شيء خلا أخلاق وطء عتبات قرية أمست برصاص الجنود ورماحهم دار موتى. صورتها، بلا شكّ، أوضح من الصور المهرّبة عن تعذيب المعتقلين ودوس رؤوسهم بجزمات الشبّيحة، لكن صوتها حاكى أصوات الشبّيحة في الاستهزاء بالحرية. وهي تستعرض دمار داريا والجثث المنثورة في شوارعها، تلت ميشلين تقريرها ناعيةً الحرية المنادى بها في تظاهرات الاحتجاج. وهم يوسعون معتقليهم ضرباً وركلاً، سأل الشبيحة ضحاياهم، "بدكِن حرية؟". ما أحوج داريا إلى عين هرتزوغ. بدلاً من عينه، أُلقيَت البلدة المفجوعة فريسة جنون جنود النظام. تريدون حرية؟ عيشوا في عصفورية. جنون النظام هذيان محرّف عن حوار ساخر في مغنّاة "لولو" للأخوين رحباني. تقول لولو/ فيروز، الخارجة من حبس استمرّ خمسة عشر عاماً، إن المكان الأنسب للحرية ربما يكون في العصفورية. وفي التطبيق الرديء للفكرة الرحبانية، طلب السوريون حرية فأعطاهم النظام عصفورية مشرّعة على التغريد بألسن شبّيحته وميشلينه. نالت مراسلة "الدنيا" قسطها الوافر من الحملات. لا تهمّني المزايدة في إبداء القرف من إجهازها على امرأة جريحة بأسئلتها الأمنية. يعنيني مما شاهدت المرأة، بُتِرَت أصابع منها ونخر الرصاص جسدها، تمدّدت مفجوعة قرب قبر. وإذ أقول "قرب قبر" يذهلني احتمال تعدّد المعنى في كلمة صغيرة إذا بُدِّلَ صفّ حروفها الثلاثة بُدِّلَ معناها من "قرب" إلى "قبر". أشارت المرأة المصابة إلى قريب أو أكثر. كانت تبحث عن زوج وابن. ما عادت تذكر مَنْ أوصلها إلى المقبرة وألقاها أرضاً فأمست ضريحاً بين الأضرحة. بدت، بما تبقّى لها من حياة، كأنها أعارت الموت عذراً لوجوده. أفترض أن الداروينيّة في زمن التزمت الدينيّ حاولت فهم مرجع الخلق وجوهر الحياة. عبر تغطية تلفزيون "الدنيا" لمجزرة داريا، أوجد الشبّيحة الذبّيحة "داريانية" تتجاوز الداروينية في سلخ الحياة من كل أصل وجوهر.
 

استفتاء الدم
 

من صندوق الدنيا، أحد الأشكال البكر الحاوية لفن السينما، ألفت العين تلقّي الصور. "صندوق الدنيا" عنوان فيلم روائي طويل حاول مخرجه السوري أسامة محمد الدخول إلى صندوق "العائلة" والتحديق في صور لم يُسمح للعين بتلقيها ولا للأذن بسماعها في لغة لا تمتّ إلى المألوف بصلة. كان المحيّر في الفيلم بقاء عين المشاهد خارج الصندوق. مع تلفزيون "الدنيا" فقدت الفرجة توازن مسافتها من الداخل والخارج. تأرجحت بينهما، "قرب" كل منهما، تحوّلت الحياة بأسرها صندوق الموت، نعشه، بمقاس الشاشة.
 

وقعت مجزرة داريا في الخامس والعشرين من آب 2012، وعرض تلفزيون "الدنيا" تقرير مراسلته بعدها مباشرة، وبثّت مقابلة مع الرئيس السوري في التاسع والعشرين من الشهر نفسه. لا يمكن مشاهدة العروض المتلاحقة في غضون فترة قصيرة من دون ربطها في سياق متصل. المهم أن المجزرة والتقرير والمقابلة تمت جميعاً في وقت واحد تقريباً. المهم أن حصيلتها صور، بدايتها صورة امرأة داريا ونهايتها صورة الرئيس. أودعها تلفزيون "الدنيا" أرشيفه. لم يفُتْه شيء. بلى. في السادس من أيلول 2012، قضت المرأة متأثرة بإصابتها. كان اسمها وفاء الحلبي. لن يكترث تلفزيون "الدنيا" لتحديث أرشيفه بخبر وفاة سيّدة أُرغمت على إجراء مقابلة مع مندوبته. المهم مقابلة الرئيس، المهم صورته. في كتابها القيّم، "السيطرة الغامضة: السياسة، الخطاب والرموز في سوريا المعاصرة" (دار رياض نجيب الريس، 2011)، سردت الباحثة ليزا وادين استغلال الرئيس الأب صوره وتماثيله وتسخيرها أداة مكمّلة لحكمه وشعيرة لقدسيّته وفرضاً متمّماً لإذعان مواطنيه. وبلغ الإذعان مبلغ دفع السوريين إلى الاستفتاء على تجديد البيعة لحاكمهم بدمائهم، ولم يتوقّف التصويت بالدم إلاّ بعد تفشّي الإيدز في عمليات نقل الدم. في عهده الموروث من أبيه، نشر الابن صوره بيد أن شيئاً ما كان ناقصاً. لعل زرع الصور في الشوارع وعلى زجاج السيارات وجدران المكاتب والمحال التجاريّة لا يقيم دليل الركوع والولاء. ذلك أنّ علاقة الصورة بالعين كالحوار المتعذر بين صامتين، صاحب الصورة والناظر إليه، علاقة الوثن بعابده رهن نيّة العابد.
 

كورليوني وغانغسترز
 

لم يلجأ الإبن إلى حيلة أبيه في فرض الاقتراع بالدم على عبادته. قرّرت أجهزته الأمنية إجبار المعتقلين والمعذَّبين بأعقاب بنادقهم على التسليم بأن لا إله إلاّ هو، مالك سوريا وأبدها. ابن أبيه؟ من بين المتظاهرين في المناطق السورية، شعرتُ بميل خاص إلى أهالي كفرنبل. مع أنّي لا أعرف بلدتهم ولم أزرها قبلاً، لمستُ في تظاهراتهم روح دعابة قلّ نظيرها في أجواء محتقنة، وحساسيّة سينمائيّة في شعاراتهم ورسوماتهم الكاريكاتورية. في الأشهر الأولى للثورة، كانوا أول من شبّهوا أبا الرئيس بفيتو كورليوني، عرّاب فرنسيس فورد كوبولا. في موازاتهم، قارن نفر من المثقفين العرب العائلة الحاكمة في سوريا بآل كورليوني. شبّهوا الرئيس السوري بمايكل كورليوني، الابن المتعلم لزعيم المافيا الإيطاليّة المتأمركة، والممتثل لمشيئة أبيه في خلافته متخلياً عن حياة كان يمكن أن تذهب في اتجاه مخالف للعنف وسفك الدماء. ابن أبيه؟ يمكن قصص المافيا أن تؤيد هذه الفرضية وتعارضها في آن واحد. المافيا شركة عائلية قابلة للتطور إلى شبكة مصالح وانخراط في سياسات محلية ودولية وكارتيلات في مجالات اقتصادية وثقافية وبيئية متعددة. ما من شكّ في أن مطلقي مثل أفلام "العرّاب" على العائلة المستبدّة بمصائر سوريا وأهلها، أرادوا إيجاد معادل ما لمجتمع الجريمة المنظّمة، المنتقلة بالوراثة من الأب إلى ابنه. لكن من الظلم تشبيه المافيا بالنظام السوري. الحاصل أن النظام، السيّئ الذكر، يتواتر عنفه بتواتر صيت كل رجل من رجاله، يزدهر الصيت ويذوي بصعود صاحبه وسقوطه. لكل فترة رجلها، به ارتبط الخوف من بطش النظام ورجاله المتحدين في صلات القربى. في عهد الأب الحاكم، كان هناك أخوه المشاكس وابنه الأكبر الذي حال الموت دون وراثته السلطة. وفي عهد الإبن الحاكم منذ مطلع القرن الحالي، كان هناك الأخ الأصغر والصهر والخال وابن الخال. سيأتي يوم يُنظَر فيه إلى سوريا ويقال إنها كانت مجموعة أزمان وأزلام، شراذم رجال قساة القلوب وسموا سوريا بسطوة العائلة ووصموها قتلاً وتنكيلاً، على ما أظهرته كلاسيكيات هوليوود من اقتران تاريخ أميركا العشرينات والثلاثينات برجال عصابات مسمّاهم "غانغسترز". الفرق أن غانغسترز أميركا وفّروا لأنفسهم بعض المحبّة من الناس إذ كانوا أفراداً متوحّدين لم يخل خروجهم على القانون من التمرّد على النظام، فيما غانغسترز سوريا أعمدة نظام لا يرحم، تصهرهم لحمة العائلة ويرضخون أخيراً لإرادة الحاكم أيام الأب المؤسس وبعده ابنه الخلف.
 

ابن أبيه؟ يمكن النظر من زاوية أخرى، من المرور على فيلم تلفزيوني قصير لمراسل الـ"نيويورك تايمس"، الراحل أنطوني شديد. قبل أسابيع من وفاته المفاجئة بمرض دهمه أثناء تسلله إلى إدلب من تركيا لتغطية الثورة، قدّم المراسل الأميركي من أصل لبناني فيلماً عنوانه "النظام"، فحواه طبيعة الحكم العائلي في سوريا. لفت الفيلم، نقلاً عن معارف الأسرة، إلى تأثير الأم على شخصيّة ابنها الرئيس وقراراته. تعيدنا هذه الملاحظة إلى هوليوود ما قبل "العرّاب"، بعقود بعيدة، إلى أفلام تناولت الغانغسترز من الأقليات المهاجرة في فترة تحريم الخمور متلوّةً بالانهيار الاقتصادي، ما بين نهاية الحرب العالمية الأولى وعشايا الحرب العالمية الثانية، أفلام سبقت أسطرة عائلات المافيا الإيطالية في سبعينات القرن الفائت، بسردها مثلاً سِيَرَ "عدوّ الشعب" طوم باورز و"ذي الندبة" طوني كامونتي و"القيصر الصغير" ريكو و"ديلينجر"، وغيرهم الكثير ممّن يتميّزون بالعنف المفرط وحدّة الانفعال والميل الفطري إلى أمهاتهم؛ إذا غابت الأم، ملأت ابنتها مكانها تلقائيّاً، وملء الشغور على يد الأم أو الأخت ليس تعويضاً عن غياب الأب وإنما توق إلى المرأة. تذهب أفلام الغانغسترز صوب المحارم مذهباً غير مسبوق في زمنها، وتقع التراجيديا الحقيقيّة في قصة "ذي الندبة" داخل العلاقة المستحيلة بين طوني كامونتي وأخته، وفي "الحرارة البيضاء" بين عنف الغانغستر كودي جاريت وسيطرة أمه عليه. استناداً إلى ما أورده أنطوني شديد، وإلى طغيان حضور الأخوال وأولادهم في النظام السوري، يبدو الابن الحاكم ندّ الغانغسترز والأمومة الواقية لهم ساعة يتهدّدهم خطر ويوشكون على الأفول. ابن أمه؟ نوعاً ما، لكنه أحرص على صورته. الأصحّ أنه ابن صورته. وككل شهير - مع اختلاف المآثر – يتعمّد الإقلال من ظهوره، تستحوذ عليه صورته، وفي سرّه أنه أعلى شأناً من الصورة نفسها، كأنه أبو الصورة، أبوها البيولوجيّ وأشهر مشاهيرها. حرامٌ مقارنته بغيتس وزاكربرغ وأخذهما بجريرته وإن استعملا أساليب ملتوية لسدّ رمقهما إلى السلطة والمال. فـ"مايكروسوفت" و"فايسبوك" وحدّا العالم وأعادا وصل الناس وجمعا الغائب بالصديق. أما الرئيس الوارث فشرّد الشعب السوري وشتّته جماعات وخيم لاجئين ومناطق خربة مقطعة الأوصال. عندما استدعي غيتس للمحاكمة ودين بالتهم المنسوبة إليه، غادر مقعده في "مايكروسوفت" وانصرف إلى نشاطات أخرى. لم يظهر غيتس وزاكربرغ على الإعلام إلاّ بعدما أدركا سوء إدارتهما لمشاريعهما وانتهاكهما براءة الشريك والحليف. أطّلا للإعلان، كلٌّ من موقعه، عن التوجّه إلى العمل الخيري وصرف بضعة ملايين من بلايينهما المشكوك في نزاهتها على المحتاجين. تذكّرا الناس. حوّلا سلطتيهما وسيلة تكفير عن ارتكاباتهما. وجدا أن أفضل سياسة لتحسين الصورة تعديل وجهتها. لن يحذو الرئيس الوارث حذوهما. لن يتذكّر من يُفترض أنهم ناسه. في مقابلته المار ذكرها مع تلفزيون "الدنيا"، لم يعدّل صورته. انشغل بها انشغال التلفزيون بتكوينها المستطيل على عرض الشاشة. تقنيات الـ"HD" أوجبت مدّ الصورة بما يماثل مقاس السكوب أيّام السينما المجيدة. أيمكن تكييف الطول بالعرض؟ هذا ما أسمّيه مشكلة المستطيل، تجاوزها يكون بضغط الصورة ومشاهدتها في اعتبارها حالاً من أحوال المستطيل. لا فائدة من الهذر في أحوال الشكل والصورة. المهمّ أنّ ابن صورته خرج من صندوق "الدنيا". أكّد وجوده في العاصمة. عنى من وجوده استمراره وبقاءه على قيد الحياة. بعد طول غياب أعقب تفجير الخليّة الأمنيّة في منطقة الروضة، أفاد بعدم مغادرته القصر الجمهوري، قال ذلك بضحكة الهاذي إثر صدمة. لم تكن ضحكة الناجي من الموت. كانت  ضحكة النافد بجلده. فرحه بالنجاة كفرحة ولد أفلت من القصاص. ابن الفرح؟ بل ابن نظام يحتفل دوماً بإفلاته من العقاب احتفال زقاق البلاط بتخلية سبيل خارق وحارقه.
 

نقلا عن تلفزيون الجديد اللبناني

المشاركة
عرض المزيد