في الصحافة

مقال عن فيلم "حب في الحصار" في موقع "لكم"

29/12/2015

هو الحب

الكاتب: إكرام ابن الشريف

 

 

 

 

تحتفظ الذاكرة بما هو جدير بالحفظ و كل مشهد في شريط مطر اسماعيل جدير فعلا بالحفظ.

 

لست ادري كم مرة شاهدت "حب في الحصار" منذ ان نشر رابطه احد أصدقائي السوريين على حائطه في الفضاء الأزرق. لا بكاء و لا قصف و لا مشاهد حرب "نمطية". "سوريا الحرب" مشهد خلفي. في فناء ما كان بيتا في يوم ما، تتعالى موسيقى الراديو، أم تمشط شعر طفلها، أب يجمع خردة ليعد بها نار الطعام. تعيش الاسرة الدمشقية منذ سنتين في حصار قتل المئات جنوب العاصمة السورية جوعا ومرضا. تحملنا القصة الى خيط النور الذي يرافق من لم يموتوا. أم تخرج صباحا في شوارع مدمرة بحثا عن حشائش الارض و قنينات الماء. "ماما عمتخترعي؟" يقول لها اطفالها و هي تحضر وجبة...من لاشيء. في زمن الحرب تضحى للمعاني معانٍ. فرح بكسرات الخبز القليلة، بحمام صار استثناء...في زمن الحرب سرديات جمال غريبة. فراغات البيت الدمشقي المدمر تملأه ضحكات وسام الصغير، بملابسه الرثة و وجهه المتسخ يبدو اجمل واجمل في كل مرة أعدت فيها مشاهدة الشريط. اكثر المشاهد شعرية هي ربما تلك التي يقبل فيها الأب ثغر ابنه المرة تلو المرة وهو ينظر في عينيه الباسمتين. وحده الحب يشد تماسك الفضاء المنهار كليا حولهما، هو حتما الحقيقة الوحيدة حين ينتهي كل شيء. الحب حرية لم تصادر او باعث مقاومة لا يموت او هما معا. قصة الاسرة الدمشقية كما يرويها مطر اسماعيل اقرب الى النمط الأسطوري منه الى النمط الحكائي السردي. ففي أسطورة البقاء معجزات و سحر و يوتوبيا. حين تتوقف الحياة على قشور بطاطس رماها احدهم في القمامة، حين تنتصر إرادة أم فيما تنهزم ثورة و يدمر وطن، حين تكبر طفولة الأب و قد سرق الجحيم طفولة صغاره، تحدث المعجزة. يبدو البيت المدمر فجاة عامرا دافئا. شيء من السلم في سردية الخوف و كثير من الكرامة في صور التجويع، ثنائيات السرد تلك تحول قصة الحصار المحبطة لقصة أمل مدهشة. ينتهي الشريط بمشهد الاسرة في ظلام دامس يسبقه مشهد غروب. انقضى يوم او شهر او سنة في متاهة صمود لا ينتهي. تخلد الاجساد الصغيرة للنوم في عالم مخيف. في دفقة انفاسها التي لا تنقطع انتظار بزوغ صباح اكثر رحمة ...تلك قصة من لم يموتوا. برمزية عالية يستبدل توثيق المخرج السوري ليوميات أسرة أم وسام، يستبدل واقعا مجردا معقدا تضيع معه الحقيقة بحكي بسيط عميق يحفظ اسما لكل شيء. ليست مرثية بقدر ما هي قصة حياة توقظ الوعي الذي به يكتشف المشاهد/ الانسان هويته و تلك حتما أهمية و جمالية "حب في الحصار" صور تقول انا هناك كانوا ولازالو و كيف كانوا و لا يزالون.

 

 

رابط المقال على موقع لكم: http://lakome2.com/opinion/%D8%B2%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A7/9266.html

المشاركة
عرض المزيد