مقالات بدايات
صورة لأيتام أرمن في حلب

بعد كل هذا، من فعل هذا؟ الوقت والذاكرة والعدالة

26/10/2017

”وعندما أخفوا القلعة على سكان حلب - إذ أصبح من الصعب الوصول إليها في فترة المعارك - فقدنا البوصلة، ونقطة البداية والنهاية. القلعة رمز، حلب القديمة رمز، والرمز بطبيعته توحيديّ، يوحّد، أمّا الطغاة فيعززون قوتهم عن طريق التفرقة“

الكاتب: آفو كابرليان

بعد مئة وسنتين على وقوع المجازر الأرمينية التي بقي مرتكبوها بدون محاسبة، وبعد سبع سنوات تقريبا من المأساة السورية، مئات الوف القتلى، آلاف المعتقلين، وملايين اللاجئين، أحاول في هذه الورقة طرح بعض الأسئلة والتأمّلات من حول بعض المفاهيم التي أبرزت نفسها وأصرت على بروزها بالنسبة إليّ، في فترة الحراك والحرب والعنف والشتات، منذ 2011 حتى الآن. ولكنني سوف أحصر هذه الأسئلة، لكي أبقى ضمن حدود الدوافع، في فيلمي "منازل بلا أبواب"، متناولاً بعض المشاهد فيه، خصوصاً المشاهد الروائية التي اقتبستها من أفلام روائيّة عالمية، وقمت بتوظيفها في هذا الفيلم حيث حاولت فيه الدمج بين الروائي والوثائقي، وبين الحاضر والماضي.

 

كلّنا رأىَ مُظاهرات سلمية مسجلة على الآلاف من الكاميرات، وكلنا رأىَ أشكال وتوجّهات الحراكات في سوريا. كلنا رأينا القصف العشوائي على مناطق سكنية من قبل الجيش السوري، وكلنا رأى القذائف التي كانت تمطر على المدنيين من قبل الفصائل الأخرى (خصوصا في معارك حلب)... كلنا رأى أفعال داعش (بغض النظر عن مصدر هذا التنظيم).. وإلخ... كلّ شيء كانَ يتغيّر كلياً... بدءاً من 2012 حتى يومنا هذا، كل شيء تغيّر ويتغيّر بطريقة غريبة وسريعة... في البداية، اشتدّت موجة النزوح... الرحلة القصوىَ قد بدأت... المدارس تحولت إلى ملاجئ... وبدأت المَلاجئ تُصارع الوقت، وتتخذ أشكالا متعدّدة... ولكن سرعان ما بدأت المعارك تتهيّج... وصارت الأسلحة تنتشر بكثافة، وبطبيعة الحال بدأت أطراف الصراع تتكاثر... وعندما سالت الدماء من كل الأطراف، وخصوصاً دماء المدنيين، صار من الصعب العودة إلى الموضوع الأصل.

 

لا أحدّ صارَ يقتنعُ بأيّ أحد... ولا طرف يؤمن بالطرف الآخر حتى ولو نسبياً. كان لا بد أنْ يبدأ التقوقع والخوف والتخوين والاستقصاء والكره، وطبعاً الرحيل... واليوم، نستطيع أن نرىَ بوضوح مصالح وغايات كل تلك القوى الغريبة التي اقتحمت الأراضي السورية... فالكلّ خذل، الكل خدع...

 

أيّ فيلم كانَ ممكناً ضمن واقع معقد كهذا؟ أي فيلم كان ممكناً بدون الوقوع في فخّ الانفعالية والتطرّف وحصر الحقائق في حقيقة واحدة... أي فيلم كان ممكناً بدون فصل الجزء عن الكلّ؟

 

من جهة، كنتُ ولا زلتُ مقتنعاً بأنّ العمل الكثيف مفيد حتما في مثل هذه الأوضاع: تقارير مصورة، صور فوتوغرافية، مقالات.. أفلام... قصص.. مسرحيات...إلخ. فالذاكرة تنتظر التراكم لتتوضح، والكمّ يتغربل لكي تسقط منه الأوهام والبروباغندا والتوجيهات والمصالح الخبيثة. ألم نكتشف في السنوات الأخيرة الكثير من الحقائق الجديدة حول ما يعرف بـ"حقبة الأخوان"، وكل تلك البروباغندا التي استطاعت تبرير كل العنف والإجرام والدمار والاعتقالات العشوائية؟

 

ولكن حين يأتي الكلام عن فيلم، فالأمر أكثر حساسية. لأنّ الفيلم يختلف عن باقي المجالات التي تتعامل مع الصورة، وذلك لكونه يتعامل مع مفهوم الوقت، ولكونه وسيلة وطبيعة مقاربة مختلفة تماماً، خصوصاً مع وجود ما يسمّى بالمونتاج. فالفيلم لا يصوّر الواقع، بل يحاول أن يعطي له شكلاً عن طريق المونتاج. السينما، أيضاً، لها طريقة "تفكير" مستقلّة تماماً.

 

 

-     الكلّ ينظر إلى الصورة ليس فقط بـ "عينيه، بل أيضاً بـ"ذاكرته"، و"معرفته".

 

 

التصوير في مناطق النظام كان أقرباً إلى المستحيل، فالأداة التي تردع بها الكاميرا هي إمّا القضبان الحديدية أو السلاح. السلاح يقرّر كل شيء. فما هو الكلام الممكن والصورة الممكنة أمام السلاح وفي السجن؟

بعد عدة مواجهات مع جهات أمنية في حلب، حيث نفدتُ من المواجهات الأولى، وفي الأخيرة وجدتُ نفسي في سجنٍ تابعٍ للأمن السياسي لمدّة ثلاث أسابيع تقريباً. انتهى الأمر بأن خسرت كل الفيديوهات التي كنت أصورها عن الحياة اليومية في كل أرجاء مدينة حلب وضواحيها، لمدة أشهر، بما فيها فترة عيد الأضحى، والناس التي كانت تحتفل، وكانت بعض المحافظات تشتعل...

 

وهكذا، بعد أن تم احتجازي واحتجاز "ذاكرتي الرقمية"، شعرتُ بأنّ خللاً أصاب ذاكرتي الشخصية... حقّي في التصوير كان مسلوباً، وبالتالي حقي في التذكر... لكن هل حقا يستطيعون منعي من التذكر؟ الجواب لا.

فتكاثرت الأسئلة في رأسي بالعلاقة مع مفهوم الذاكرة والصورة.

بعد هذه الحادثة، بدأتُ التصوير من شرفة منزلنا في حي الميدان في حلب، واستمرت العملية ثلاثة أعوام تقريباً. في البداية، لم تكن لدي النيّة في تصوير فيلم، أو صياغة تقرير صحفي مصوّر، بل كنت أتبع بعض الدوافع الداخلية التي كانت تجعلني أصور هذه اللحظة أو تلك... لم أكن أصوّر كل يوم، وبالطبع لم أكن أصوّر كل شيء... بل كنت أميل إلى تصوير بعض اللحظات، تصوير أناس يعيشون في هذا المكان، وبالحفاظ على فكرة كونهم أناس "طبيعيين" و"عاديين"، بعيداً عن هوياتهم وأسمائهم وصفاتهم وتوجهاتهم... وطبعاً كلما كانت دقة الكاميرا سيئة، كلما كانت النتيجة أقرب إلى الحالة، بالنسبة لي.

كيف يمكن أن يكون الشكل "الدقيق" و"الواضح" الذي أستطيع أن أعطيه لهذا الواقع؟

حاولتُ التركيز فقط علىَ الإنسان كما أراه أمامي الآن، وعلى المتكرّر في محنة الإنسان ومشكلته الوجودية التي تكبر يوماً وراء يوم، خصوصاً في هذا العصر الخطير. الإنسان من حيث كونه مخلوقا يختار ويتحمل نتائج اختياراته ويكون مسؤولا عنها... الإنسان من حيث كونه ضحية الأسلحة التي يطورها... الإنسان من حيث كونه عاجزاً في فترات المعارك والحروب إلا إذا حمل السلاح هو نفسه...

في المعتقل، تتذكر الكثير من الناس واللحظات والأشياء... زاوية واحدة تكون كافية لاستحضار زوايا أخرى، أفكار أخرى، ووقائع... وهكذا كانت الشرفة بالنسبة إليّ، زاوية تستحضر زوايا أخرى كثيرة... 

الدخان الصاعد في البعيد، جرّاء قصف الطيران الحربي، كان بوصلة بالنسبة إليّ... الدخان في البعيد كان رمزاً... دخانٌ كادَ يجمعنا.. دخانٌ كانَ يقولُ لنا: إنّنا جميعاً متورطون في هذا الحدث... وإننا مضطرون للاستجابة... لكن لم نقرأ الرمز عندما كان بعيدا، وعندما اقترب ذلك الدخان لم يعد رمزاً، بل واقعة عشناها، ولم نعد نعرف مصدر هذا الدخان...

 

 

-     التجربة الأرمينية، الماضي، والواقع في حلب-سوريا:

 

 

التاريخ مليء بالحروب والمجازر: "آلة جهنمية" تقرّر مصير الناس والأشياء... آلة لا يتحكم فيها حتى أصحابها... آلة جهنمية قادرة أن تجعل منك ماكينة صغيرة جدّاً فيها، تشتغل من تلقاء نفسها، وبنفس الطريقة على الدوام... وبدون تفكير غالباً...

تجربتي كأرميني كانت تقول لي أشياء كان لا بد أن أصغي إليها... كنتُ أرىَ تلك الأسماء نفسها في كل مكان، أعداء الماضي نفسهم، لكن بحلات جديدة: روسيا ذاتها، روسيا القيصرية، روسيا ثورة أوكتوبر، روسيا السوفييت التي ضمّت تحت رايتها بلداناً غصباً عنها، وكل تلك الثورات ضدها. وتركيا ذاتها وذاك الحلم العثماني الذي عاش 400 سنة بهيئة دولة جبارة، فلن يموت بسهولة... وكيف نصف اليوم صعود الصوت الفاشي والنازي من جديد، في أوروبا وأمريكا؟

هتلرٌ ماتَ، لكنّ فكرٌ كان يسبقه، بقي، بل استمرّ...

كيف تم نسيان العراق؟ ونسيان فلسطين؟ هل تم ذلك؟

ماذا نتخيل اليوم عندما نسمع كلمة باكستان أو أفغانستان؟

وأفريقيا؟ هل هي جائعة؟ 

يوما ما، سنتذكر أنفسنا... ونسأل لماذا نحن هنا...

 

***

 

-     ما أراه وما لا أراه

 

 

كل تلك الفظاعات التي حصلت في العام 1915 كانت حيّة في الذاكرة الجماعية الأرمينية لمدة 100 عام، وحيّة وموجودة في داخلي: كأنّك تنظر على شيء أمامك الآن، فتراه.

تعرفتُ على المجازر عن طريق الصور أولاً... بضعة صور وفيديوهات قليلة جدا كانت كافية لتبقى القضية حيّة مئة عام وأكثر... وكانت القصص المروية وشهادات الناس، الذين عاصروا ونجوا أو شهادات بعض الدبلوماسيين والسفراء والوزراء، تدعم القضية بالإضافة إلى الصور ومقاطع الفيديو. وطبعاً تبقى الآثار والعمارة الشهادات الأقوى، لكنها تبقى دائمة التعرض لهمجية بعض البشر أثناء المعارك.

تعرفتُ على حلب حين مشيت في حلب القديمة... كان كلّ مشوار أو زيارة بمثابة حالة لا يمكن أن تتكرر... مشاعر "تفوق الوصف" في كل خطوة تحملها نظرة في تلك الحارات القديمة...  وقد يكون لكل حجر قديم هناك اسم، بغض النظر عمّن تركه هناك ورحل...

كان لحلب القديمة حضور قوي في حياتنا. منطقة حاضرة بقدمها وتاريخها، برهان بنفسها لنفسها على جمالها وعظمتها، على تفاصيلها، وعلى كل ما لا نعرف عنها... هكذا أفهم الصورة، لأنني عشت هناك... تفقد حلب قوتها عندما تخفي عنها قِدْمها... وعندما أخفوا القلعة على سكان حلب - إذ أصبح من الصعب الوصول إليها في فترة المعارك - فقدنا البوصلة، ونقطة البداية والنهاية. القلعة رمز، حلب القديمة رمز، والرمز بطبيعته توحيديّ، يوحّد، أمّا الطغاة فيعززون قوتهم عن طريق التفرقة. وقبل بضعة أسابيع، رأينا كيف احتفلوا بالقلعة: احتفالاً كان موجهاً إلى الغائبين قسراً، عكس عادة الحفلة التي تكون موجهة للحضورالجمهور.

 

***

 

-   "الوقت"

 

 

كان هناك هاجس يعتمل في داخلي طوال الوقت بينما أقوم بالتصوير، وهذا الهاجس هو الوقت: الوقت الذي كنا نعيشه، والوقت الذي كان يعيش فينا، والذي كان يشعرنا بالعجز.

 

أما الوقت في  منطقة الميدان، فكان له وقعٌ مختلف. الميدان منطقة لها تاريخ خاص... هنا تجمع الأرمن بعد وصولهم هرباً من المجازر وعمليات التهجير القسرية... وهذه المنطقة أصبحت إحدى نقاط الاشتباك بين أطراف الصراع في حلب بدءاً من أواخر 2012... وبطبيعة الحال، اضطر الكثير من الأرمن في هذه المنطقة لترك كلّ ما لديهم والرّحيل، والكثيرون استشهدوا.

 

التجربة الأرمينية في المهجر، في أساسها، هي تجربة وقت خاصّة جدّا. فالأماكن كثيرة بالنسبة للأرمن، ولكن في أية "لحظة" هم مضطرون لتحديد مصائر جديدة كما حصلت في لبنان أثناء الحرب الأهلية والعراق وفي سوريا...  وإنّ الموضوع تطلّب أكثر من 100 سنة من الوقت كتجربة وكقضية، ولكشف المزيد من الحقائق والحصول على المزيد من التفاصيل عبر القصص الشخصية المروية من أشخاص عاشوا وعاصروا المجازر، وشهدوا كل الترتيبات السياسية التي أدّت إليها...

 

ولحد الآن، آلاف الأرمن يعملون على كشف الحقائق لتكميل الصورة، ينقبون في الآثار، يتبعون كل دليل أو أثر... يبحثون في الأرشيفات، ويقومون بحوارات مع الأهالي الحاليين في المناطق الأرمنية في جنوبي شرقي تركيا الحالية لمعرفة ماذا حدث تماما بعد سنوات المجازر وحتى الآن، كيف تغيّرت الأمور، إلخ.

 

 

 

بعد كلّ هذا... من فعل هذا؟

 

 

 

 

يوجّه بطل فيلم "ال توبو" لأليخاندرو خودوروفسكي سؤال "من فعل هذا؟" لأحدهم وهو يحتضر وسط الدماء والجثث المنتشرة في المكان (الصورة أعلاه)... لكنّ هذا الأخير لا يردّ، إنّما يطلب منه أن يقتله، قائلاً: "اقتلني، أرجوك..."، فيعطي البطل مسدسه لابنه ذي السبعة أعوام ليقتله، فيفعل ذلك.

 

في هذا المشهد - الذي حاولت توظيفه في فيلمي - نرىَ كيف تعامل خودوروفسكي مع الدماء والجثث "المتخيلة-التشخيصية" بعيداً عن استعطاف مباشر وبعيداً عن السعي للتأثير المباشر علىَ الجمهور، تاركاً الصورة وتشكّلاتها تبني أفكاراً وحالات مع المتفرجين. فقد كان هذا المشهد يحمل في داخله كل مناظر الإجرام والإبادات في التاريخ، خصوصاً مع مرافقة هذا السؤال الخطير في القرن العشرين: "من فعل هذا؟". وهذا السؤال نفسه يتجاوز المشهد والمنظر، لأنه يبقى بلا جواب، ولأنّ الفاعل ليس اسماً، ليس "من؟". إنها بنية ومنظومة بأكملها.

 

من فعل هذا؟ - نشرة أخبار واحدة كافية للتشوّش والشعور بالغثيان.

يغيب القاتل آخذا معه فعل القتل إلى أماكن أخرى. ويبدأ سؤال المحاسبة والانتقام؟ من؟ ممن؟

كيف نقيّم الجرائم؟ على أي أساس نستنكر ثمة جريمة، ولا نستنكر غيرها. عندما تحولت المعارك إلى سورية، صارت سورية هناك جثة نبكي عليها وجثثا نتمنى رؤيتها.

 

 إنّ سؤال "من فعلَ هذا؟" يؤدي إلى تحديد بداية ممكنة لمأساتنا، وإلى تحديد "لماذا فعل ذلك؟... والبحث عن السبب هو بحث عن المجموع الكامل للمجريات والأحداث الفعلية والمتواصلة التي أدت إلى هذه النتيجة الخاصة وليس غيرها... لكن، مع الأسف، "الأسباب قد لا تكون ضرورية للنتائج"، كما يقول ماركيز دو ساد بدقة ملاحظة وببعض من القساوة.

 

 

-   "الله ينتقم منّك يا..."

 

 

يبقى الانتقام شعورا إنسانيّا رافق الإنسان آلاف السنين.

الانتقام شعور يرافق الحدث، يحرّك مساره. والانتقام هو أيضاً شعور يلعب دورا كبيرا في استمرار أية قضية بهذا الشكل أو بآخر. إنّه شعور يغذّي القضيّة، أية قضية، ويجعلها حيّة، بهذه الطريقة أو تلك. شعور الانتقام هو الذي يعطي للذاتي صفة الموضوعية... والانتقام من حيث كونه إعلانا لاستمرار الصراع الحقّ لتتبع آثار الحقّ والحقيقة، يجعل منه باحثا عن سؤال "ما هو الحق؟"، الحق في الاستمرار في النضال، الحق في محاسبة الفعل قبل الفاعل، وأيضاً يجعل منه رمزاً مرتبطاً لمفهوم العدالة، وتحقيق العدالة. لكنّ هل حقاً نريدُ مُحاسبة الفعل؟ الفعل الذي يدلنا على المنظومة التي تستلقي وراء الفعل؟ هنا نستطيع تمييز عمليات الانتقام الذي يرتبط بالأخلاقيات من طرف، وبالحق في النضال من طرف آخر.

 

لمفهوم الانتقام أهمية كبيرة لديّ. ولهذا السبب تعاملتُ في فيلم "منازل بلا أبواب" مع حدث الانتقام على يد صوغومون تهلريان الذي اغتال طلعت باشا في منطقة شارلوتنبرغ، شارع هاردنبرغ، في مدينة برلين برصاصة واحدة في رقبته مباشرة، وذلك في العام 1921. لقد فقدَ صوغومون كل أفراد عائلته الذين تعرضوا للقتل. انضمّ صوغومون تهلريان إلى "شبيبة عملية الانتقام"  Operation Nemesis...  لقد عرفوا "من فعل ذلك"، وشعروا بأنهم يريدون الانتقام في أعماقهم. فقد قاموا باغتيال 7 باشاوات، أولئك الذين كانوا يشكلون الطبقة العليا وأصحاب القرار في السلطة العثمانية التركية أثناء تدبير المجازر في حق الأرمن. وفي هذا الشعور والفعل تكمن محاسبة الفاعل من طرف: قتل القاتل. وقتل رمز معين من طرف آخر: قتل العقول المدبّرة. أي لم يكن همّ "شبيبة عملية الانتقام" هو قتل أيّ واحد تركي يبرز أمامهم، فقط لإرضاء هذه الغريزة أو الشعور (الانتقام)، بل كان التوجّه العام هو ربط هذه العملية بالفعل النضاليّ من جهة، وسعي منهم لخلق رمزيات تقترب من مفهوم العدالة. تطور مفهوم الاتنقام عند الأرمن في السبعينيات القرن المنصرم، فقد ارتبطت العمليات الانتقامية مثل اغتيال دبلوماسيين وسفراء أتراك بفعل سياسي يسعى للضغط على الحكومات الأوروبية وغيرها، للالتفات للأرمن والقضية الأرمنية: شعور قاسٍ أن تتعرض لمجازر وتــُهجّر وتتشتت، وتعيش عشرات السنوات دون أنْ يحكي أحد عنك وعن المأساة التي عشتها...

 

طبعا ألتفت إلى هذا المفهوم فقط، لأني أرى بأن الانتقام شعور إنساني، لكن أشكاله كثيرة، وإيجاد الشكل المناسب هو التعبير الأنسب عنه. لأن الانتقام، أحياناً، يكون رسالة، ورد فعل مشروع عندما يكون هناك ظلماً.

 

لكن، ماذا عن كل هؤلاء الآلاف من العساكر العثمانيين الذين تلذذوا بفعل القتل والاغتصاب، والذين لم يترددوا ثانية لتنفيذ أوامر تقول بالإبادة والتهجير... لماذا فعلوا ذلك؟ كيف؟ من كانوا؟ كيف استمروا؟ وماذا عن الحكومة الانكليزية والألمانية في تلك الحقبة وتورطهما في هذه القضية؟ وطبعا دور الصهيونية كما تفسّر بعض الدراسات المتوفرة باللغة الانكليزية...


أسأل لنفسي مجددا، هل هتلر هو المسؤول الوحيد عن الإبادة اليهودية (المحرقة) وكل شيء حصل في ألمانيا، بل وفي معظم أنحاء العالم؟ كيف نصف إذن صعود النازيين الجدد؟ الفكرة أهمّ من هتلر، وموت هتلر الجسدي لا يعني موت أفكاره والأفكار التي استلهمها ممن قبله... التدقيق في هذه المفاهيم لا يجرّد الموضوع، ولا "يفلسفه"، بل بالعكس هذا التدقيق يحدد أدوات المرء لمحاربة الأشياء التي يجب عليه محاربتها، والأمور التي يتوجب تغييرها..

 

 

صورة لأيتام أرمن في حلب

 

خاتمة:

 

 

إنّ الصورة أعلاه هي لأيتام أرمن في حلب. صورة موثّقة ومؤرشفة. وهي إذ كانت تحكي عن مأساة الأرمن، فتستطيع أن تكون اليوم دليلاً علىَ مأساة حلب: فأين هذه الصورة؟ كم من الاحتمالات كانت موجودة لتلاشي هذا المكان التاريخي أو لتدميره...؟  وهنا نرى كيف تختلط المآسي، تتماهى فيما بينها، فكما كان هذا المكان قد استوعب الأرمن ذات يوم، تستطيع هذه الصورة، اليوم، أن تقول شيئا عن تاريخ حلب.

 

فيبقى الإيمان بحق الجميع في الصورة هو إيمان يترسخ يوماً بعد يوم، بل الواقع قد فرض ذلك، إذ أننا نعيش في عصر الصورة بامتياز. ومع وجود خيار تصوير الفيديو في الموبايلات، أصبحت "الصورة" أقرب إلى الواقع، وأقرب إلى الحقيقة، وأقرب إلىَ الإنسان، وليس "الفنان" وحده. وهكذا تترسّخ فكرة حقّ جميع الناس في إخبار قصصهم وروايتها والحقّ في أرشفة الأحداث التي عاشوها وعاصروها... وكل هذا يؤدي إلى إبقاء الذاكرة حية، وهو الذي يشكل جسراً بين الأجيال لتتبع مسار التاريخ ومسار العدالة ومسار الطبيعة...

 

وأخيرًا، هذا الإيمان بضرورة وجود كل هذه الصور والفيديوهات هو إيمان بضرورة وجود ذاكرة وتاريخ إنسانيّ مقابل بل وضدّ التاريخ السياسيّ والحربيّ... الصورة بوصفها تاريخ للإنسان، تاريخ لكلّ الناس... الصورة بما تتجاوز الهويات والانتماءات... الصورة (الثابتة والمتحركة) بوصفها اقترابا من الانتصار على الوقت، وبوصفها بصيص نور وأمل لإيجاد الطريق من جديد للاستمرار في الصراع والنضال، فلا حياة "طبيعية" بدون هذين الأخيرين.

 

وبعد كل هذا، تبقى الإشكالية الكبرى والسؤال الأكبر هو هل يجوز "عرض" كل هذه الصور والفيديوهات، في أي مكان، وفي كل المناسبات؟ هل يجوز جعلها مادة "دسمة" لأعمال فنية بهذه السهولة؟

 

يبقى هذا السؤال مفتوحا للمناقشة والبحث...

 

 

آفو كابرليان

 

المشاركة
عرض المزيد