مقالات بدايات

سينما الموت

05/12/2016

”لماذا سيدخل الناس لمشاهدة فيلم لا يدعو للتسلية؟ لماذا سيدخل الناس لمشاهدة فيلم كل ما فيه يتحدث عن موت حقيقي؟“

الكاتب: عروة المقداد

 

خطُّ الأفق يقسم الكادر. ثلثٌ ينحدر بأبنية باطونية مهشمة، لينعجن فيه الركام. تمرُّ في الثلثين الآخرين من الكادر غيوم مصبوغة بلونٍ أرجواني تخبُّ فوق الأبنية الغارقة في السواد. يتحرك الكادر نحو طريقٍ تطويه الأبنية المدمرة. من عمق الركام تظهر امرأة ترتدي معطفاً أسودَ وحجاباً مزركشاً. تمسك بيدها باقة من زهر الاقحوان. تمشي بخطىً وئيدة. تتقدم ببطء، تضع باقة الزهور فوق تلة من الركام. تستدير نحو الكادر ثم تقول: انتهت الحرب.

 

إنه يوم العطلة، إعلانات الفيلم تملأ الطرقات بألوان حميميّة. زوجان في الخمسين من عمرهما يمسكان بيدي بعضهما على باب السينما. الوجوه مسترخية جذلانة. ضجيج النقاشات يملأ المكان بإلفة. المدينة ورغم الدمار، عادت تنبض بالحياة. داخل السينما الوجوه تتفاعل مع انعكاسات الشاشة الكبيرة. شهقات وابتسامات. المشهد الختامي في الفيلم: المرأة تسير نحو الركام. تضع باقة من زهور الأقحوان ثم تستدير وتقول: انتهت الحرب. عند هذه اللقطة ستدمع أعين المشاهدين. أمسح دموعي ايضاً. ينتهي الفيلم.

 

لو استطعت لأنهيت فيلمي بهذه الطريقة. أريد صناعة فيلم رومنسي. قصة حب تقليدية. قصة حب تسحر لبّ المشاهدين. قصة البطلة تنقذ حبيبها وتعلن نهاية الحرب. أفكر وأنا أمشي بين الدمار. خلق "لوكَيشن" حرب ليست بالمسألة الصعبة، لكنها مكلفة من الناحية الانتاجية. أنا أحلم بصناعة فيلم "فكشن".  خلال تصوير فيلمي الوثائقي "٣٠٠ ميل" كنت أحاول خلق شخصيات روائية كانها مكتوبة من أجل خلق احساس لدى المتفرج بأنه يشاهد فيلماً روائياً تمثيلياً "فكشن". الروائي أكثر إقناعاً أو ديمومة. في الأفلام التمثيلية يتقمص المشاهدون شخصيات الأبطال، يعيشون معها بكل تفاصيلها. لكنني لا أمتلك تلك الرفاهية. الموت هو البطل الوحيد ونحن شخصيات في فيلم لم ينتهِ بعد.

 

أتوقف عند طرف مرآة مكسورة. ألتقطها ثم أحاول النظر إلى ملامح وجهي. الزمن في المرآة جامد. متوقف. على الطرف الآخر يستخدمون الأبنية المدمرة كـ "لوكيشن" لصناعة أفلام تمثيلية. منذ بداية الثورة كانت هنالك متعة لدى النظام في ممارسة القتل. الآن هنالك متعة في تصوير القتل! المتعة التي تخلقها ممارسة عمل فني ما بكامل الوعي. التصوير بين تلك الأنقاض وفوق الدبابات وبحماية الطائرات، جموع الممثلين والفنيين المنساقين وراء تلك المتعة.. شهوة قاتل بارد. في يوم العطل، هناك على الطرف الآخر، ثمة أناس يذهبون الى صالات السينما للفرجة على موتنا. ربما تستحق هذه السينما عنواناً: سينما الموت.

 

أمشي بخطوات قلقة. أسند كتفي على الجدار ثم أنظر نحو الجثة التي اخترقت رأسها شظية. أدير الكاميرا ثم أحدّد تلقائياً حجم اللقطة. يختلط الحيز المكاني بحيز الشاشة. أفكر بالحيز الذي تملؤه الجثة! ثمة حيز آخر أو بعد آخر لاستمرارية اللقطة في الذهن التي تنتقل إلى حيز لا واعٍ.  ينبغي أن أعيد تموضع الجثة لتصبح أكثر إقناعاً. أجرها نحو الأسفل. يظهر نصف الجسد بزاوية مائلة في الكادر. العينان منتفختان. والوجه مقروح الخدود. نصف الوجه محترق. أدير الجثة على طرفها. أنقل زاوية الرؤية ليصبح الجسد منغلقاً على نفسه كجنين. سأضيف مونولوجاً رومنسياً للشخصية. لن تعترف بموتها كي لا تُشعر أحداً بالذنب. ستقول: انتحرت لأنني لم أعد أستطيع الإنصات إلى تكات الساعة.

 

سوف أعيد صياغة المشهد من جديد، فالجمهور بحاجة الى دراما غائمة عنيفة:

الطائرة تقترب. السماء واسعة فيها غيوم رمادية مصبوغة بالأرجواني. الطائرة غير مرئية. صوتها يتردد من كل الجهات. هنالك في المشهد (X٤٥) أعمار مختلفة. اطفال، نساء، عجائز. الملامح غير مهمة. الذعر تفصيل ثانوي ومؤذٍ. الطيار مجهول الهوية غير معرف. البرميل مجهول المصدر. هذه معلومات زائدة وغير مهمة في المشهد. ما تقوله الشخصيات قبل موتها غير مهم. نسمع فقط شيئاً ما يشبه الهرج. أكشن:  النابالم يشعل الاسمنت ثم يتفجر ويحرق جميع الاجساد. تتطاير الأشلاء في كل مكان. انه مشهد كأي مشهد في أفلام الحرب. غير مهم وثانوي. البطل الوحيد ربما في كل هذا الفيلم هو بشار الأسد.

 

يذهب الناس إلى القاعات المظلمة "السينما"، يجلسون في بيوتهم في نهاية النهار ليس بحثاً عن تغيير العالم. انهم يجلسون طلباً للاسترخاء والمتعة. اذاً كيف من الممكن صناعة فيلم عن الحرب يهدف لإحداث صدمة لدى المشاهدين تدفعهم لتغيير العالم؟ يقول جيل دولوز في كتابه سينما الصورة ـ الزمن: "كلنا نعلم بأن فناً من الفنون لو أحدث الصدمة أو الرعشة لكان العالم قد تغير منذ زمن طويل. إن مثل هذا الزعم للسينما وعلى الأقل لروادها الكبار يدفع اليوم للإبتسام. لقد كانوا يظنون أن السينما ستكون قادرة على فرض الصدمة وإملائها على الجماهير وعلى الشعب (فيرتوف ـ ايزنشتاين ـ غانس ـ ايلي فور .. )."

 

إذاً، لن تحدث السينما الصدمة التي كنا نعتقدها، في نقل القتل والقمع ومن ثم تفاصيل الحرب التي كان يشنها النظام. على الطرف الآخر، عندما يدير مخرج كاميرته من أجل تصوير فيلم عن الحرب "الممتعة" لا يحتاج لأن يحدث صدمة لدى المتفرج. إنه فقط يقنع المتفرجين بان يبقوا في بيوتهم أو أن يخرجوا غير مكترثين بعد نهاية الفيلم.

 

إذاً لماذا نصنع افلاماً عن موتنا؟ لنسلي الآخرين؟

 

أثناء تصوير  مشاهد فيلم ٣٠٠ ميل، كنت أتجنب لقطات للجثث والموت. كنت أحاول البحث عن الايماء الصامت خلف الوجوه، ذلك الذي يدفع للتأمل. الزمن الكثيف الذي يعيشه الناس في الحصار وتحت القصف. وكنت أفكر كيف للايهام الذي يدفع الناس للذهاب الى السينما لعيش متعة تقمص الحيوات أن يكون غير منفر. كيف من الممكن أن يتحول الألم إلى متعة تدفع المشاهد للتفاعل وتقمص حياة الشخصيات، ليستطيع أن يفكر بأن الموت ليس فقط الموت "الفعلي"، وإنما ثمة موت آخر أشد قسوة وهو مراقبة الموت دون القدرة على تغييره.

 

بعد أربع سنوات من التصوير في مدينة مدمرة، عرض الفيلم "٣٠٠ ميل" في صالات سينما عالمية. كنت أنتظر أن أسمع عن الصدمة التي من الممكن أن تغير واقع الحرب، بسذاجة التجربة الأولى لي بصناعة فيلمي الأول. لاحقاً شاهدت الفيلم كمتفرج في قاعة سينما صغيرة في بيروت. كنت أشاهد الفيلم وأفكر كمتفرج عادي. لماذا سيدخل الناس لمشاهدة فيلم لا يدعو للتسلية. لماذا سيدخل الناس لمشاهدة فيلم كل ما فيه يتحدث عن موت حقيقي؟!

 

من خلال الشاشة كنت أفكر في السنوات التي عشناها في سورية. لقد سلبنا النظام دهشة الحياة ومن ثم متعة الاكتشاف والفرجة التي تدفع لجعل السينما والفن وسيلة من أجل التسلية والترفيه. نحن نختبر في هذا المكان من العالم السينما من خلال الموت. نتعرف على أدواتها من خلال الشعور بولادة جديدة خارج منظومة القتل والرعب والابادة التي عشناها وما زلنا نعيشها طوال الخمسين سنة المنصرمة. الموت الذي نصطدم به بشكل يومي لنتعرف على الحياة. الموضوع الأوحد الذي ما زلنا ندور في فلكه طوال الخمس سنوات هو الموت ودفن الموتى. ومن خلال ذلك يصبح التصوير، والرغبة في صناعة الافلام سلاحاً خشبياً بأيدي شخصيات دونكيشوتية تحارب طواحين العالم الخفية التي لا نستطيع بالضبط ادراك القدرة على مواجهتها. ان المسألة برمتها تتحول من قاعة للسينما بشروط فنية عالية الى معركة عشوائية قاسية تثقب فيها البراميل والمدافع والصواريخ حياتنا اليومية.

 

على الطرف الآخر، فإننا نبدو نحن السوريين، شخصيات روائية تدفع العالم للفرجة فقط. الفرجة بهدف التسلية. فيلم رومنسي يشهق فيه المتفرجون ثم يتأثرون بأبطال الفيلم الخارقين في مواجهة الأشرار. ثم يلعنون الأشرار ويكرهونهم ويمضون الى بيوتهم ليناقشوا حياتهم اليومية. ينتهي الفيلم مع انتهاء التسلية.

 

 

المشاركة
#الصورة  # السينما  # الحرب  # عروة المقداد  # مقال  
عرض المزيد