مقالات بدايات

العرض الأخير- سينما اليرموك

14/04/2016

”عن رجلٍ غريبٍ اقتحم التاريخ بعكازٍ نحاسيٍّ ليحمي حرفاً أخيراً من السقوط“

الكاتب: عبدالله الخطيب

المصوّر: حماده حميد

 

السابعة والنصف تماماً

 

شوارع المخيم خاويةٌ تماماً على عروشها، لا شيء يؤنس وحدة هذه الجدران المحطمة، المتكدسة فوق بعضها البعض ككتبٍ مستعملة رماها أصحابها دون قراءة، النباتات التي نمت و ارتفعت في وسط الطريق زادت وحشة المكان، كدليلٍ إضافيّ على أنّ زمناً طويلاً انقضى دون مرور أحدهم من هنا، حتّى القطط هجرت هذا الطريق.

 

تتخذ الشمس مسارها اليوميّ هبوطاً في البعيد،

 

شعاعٌ أخيرٌ يضيء الغبار المتناثر في هذا الغروب الجاف، صمتٌ عميق يلفّ المكان يقطعه طنين حشرة حاولت عبثاً التشبث بزهرة جافّة،

 

 في منتصف الطريق و في الجهة المقابلة للشمس تماماً، ظهر هذا الرجل،

 

أكوام الغبار المتكدسة هنا وهناك أخلت الطريق مذعورة أمام خطواته الواثقة، كان يسير ببطءٍ فوق أنقاض المكان بكامل خيلائه وصلفه، ظلّه الهائل يتبعه كخطٍ مستقيمٍ يمتدّ نحو اللانهاية،

 

ثيابه الكلاسيكية المغرقة بالتفاصيل من رأسه حتّى أخمص قدميه تشير إلى الزمن الآتي منه، زمنٌ يعود إلى العصور الوسطى، من زمنٍ يشبه تحديداً زمن البارونات الانجليز.  

 

قبعته التي يعتمرها على رأسه و كأنّها ولدت معه، العكاز في يده اليسرى برأسها النحاسي المنحوت على هيئة وجه الحصان، الكعب الصلب العالي لحذائه الجلدي الأسود ، سلسلةٌ ذهبية تتدلى من خصره نحو ساعته الذهبية المخبأة في جيبه.

 

كلّ تلك التفاصيل طغت على المشهد المحيط به، خفتت أصوات المدافع و أصبحت رشقات الرصاص تصدر صوتاً يشبه ذلك الصوت الذي تحدثه زخاتٌ من المطر الاستوائي حين تسقط على صفحة ماءٍ راكدٍ في بحيرة زرقاء.

 

أخرج ساعته الذهبية من جيبه، و بكبسة بسيطة من إبهامه انفتح غطائها مصدراً رنيناً خافتاً، سرق نظرة سريعةً بطرف عينه نحوها قبل أن تعيد سبابته الغطاء إلى حالته الأولى مصدراً صوتاً حاداً أعطى الصمت المتأهب فرصة أخرى للحياة.

 

توقف عدّة مراتٍ ينظر نحو الدمار بطريقة لا تخلو من اللامبالاة، تفحصت عيناه أثاث المباني المبقورة بنظرة طبيبٍ اعتاد رؤية الأحشاء البشرية بعينه المجردة.

توقف قليلاً قرب الدمار، ثمّ تابع طريقه كدونٍ متكبرٍ يمشي مطرقاً في حدائق قصره دون أن يلتفت مطلقاً لما حوله حتى يخيل للناظر وكأنّه يمشي بلا هدىّ أو هدف.

 

أخرج ساعته الذهبية من جيبه فجأةً، تمعن فيها جيداً هذه المرّة ، حدّد اتجاهه، ثم أغلقت سبابته غطاء الساعة هذه المرة بطريقة لا تخلو من قلقٍ ملفت.

لقد اقترب الموعد الذي أتى لأجله.

 

 الثامنة إلّا ربعاً

 

اتسعت خطواته شيئاً فشيئاً، كان يسابق عقارب الساعة للوصول نحو موعده الغامض، مشيته المتسارعة زادت من فعل البهاء في هيئته، كانت ضربات العكاز على الأرض تصدر صوتاً يطغى على صوت الرصاص حوله وتعطي لجسده ثباتاً مخيفاً وكأنّ الأرض تحته تهتز من ضربات العكاز لا من قذائف الهاون المتناثرة على امتداد الطريق،

 

أصوات الرصاص تخبو رويداً رويداً كلّما اقترب أكثر، تتحول لرشاتٍ متقطعة ثم تخبو تماماً، ظلّه اللاهث خلفه استسلم وابتعد عنه، كان بكامل أناقته رجلاً بلا ظلٍ يعبث بالموت في شوارع المخيم.

 

رائحة الفلفل التي تفوح من ثيابه حجبت رطوبة الموت المتعفن حوله، مدّ خطاه أكثر، حين رأى قذيفةً تحثّ السير نحو ثانوية البنات على يسار الطريق الذي يمشي فيه، اشتدت ضربات العكاز على الارض ليصلها قبل أن تصل غايتها، لكنّ القذيفة سقطت قربه عاجزةً دون أن تنفجر، مرّ فوقها مسرعاً، سمع الضحكات المخبوءة في جدران الثانوية المهجورة،

 

انعطف يميناً، كان الشارع مملوءاً بطنين ذبابٍ لم ير مثله من قبل، كان يكره الذباب جداً، فكر أن يغير طريقه لكنّ الذباب تجمع فجأةّ في سرب رمادي ضخمٍ ثم اختفى السرب مذعوراً في جوف قطة ميتة مرمية قرب أكوام الزبالة المتحللة،

 

انعطف شمالاً ، شجرة التين الضخمة في منتصف هذا الزقاق مدّت أغصانها خارج حدود البيت الذي نبتت فيه، كانت عصافيرٌ رماديّةٌ بلا أجنحة تختبئ تحت الأوراق الخضراء، وحدها هذه الشجرة الهرمة احتفظت بلونها رغم كلّ شيء.

 

 

وصل إلى ساحة الطربوش، ساترٌ ترابيٌ ضخمٌ في الجهة الأخرى من الشارع ارتفع أمام البناء الذي يقصده، النباتات الطويلة التي نمت على جوانب هذا الساتر توحي بأنّه موجودُ حتى قبل أن يوجد البناء وربما منذ الأزل،

 

رشقات من الرصاص المتبادل تفصل بينه وبين البناء خلف الساتر الترابي وتنذر بقرب اندلاع معركةٍ حاسمة، المكان بلا لونٍ تماماً، البيوت مفتوحةٌ على بعضها في مشهدٍ عجزت حربين عالمييتين أن تصنعا مثله، كان الغبار يغطي كلً شيءٍ تماماً.

 

صوت الصفير بدأ يعلو من جديد و بنادقٌ بدأت تبصق الرصاص في جهتين متقابلتين ورجال يٌقتلون في لحظة مللٍ سببها الحرّ الشديد.

 

أحس بالموت يذرع المكان بحثاً عنه، لم يأبه كعادته، أخرج ساعته مرّة أخرى،

ثمّ قفز إلى الجهة الاخرى للشارع

 


الساعة الثامنة إلّا خمساّ


لافتةٌ  كبيرة على مدخل المبنى ذي البوابة الكبيرة، الأبواب الحديديّة الضخمة انتزِعت من مكانها و أُلقيت جانباً وكأنّ يداً هائلةً عبثت فيها لمجرد التسلية، وأمامه كانت صورٌ معلقة على الجدران المحطمة وأخرى على الأرض ممزقة و محروقة لأفلامٍ قديمة العهد تملأ البهو الكبير الذي كان يمتلئ عادةً بباعة العلكة والترمس والدخان الفرط و بذور عباد الشمس المحمصة.

 

متراسٌ رمليّ صغير يرتفع ليصل إلى فتحة في الحائط في زاوية البهو الشماليّة، و فوق الفتحة استطاع بمساعدة ما تبقى من أشعة للشمس تهجي عبارةٍ كتبت بخط يشبه خط الرقعة   "شباك التذاكر".

 

 أسقطت شظايا الهاون كما الانفجارات المتكررة قرب المكان بعض حروف اللافتة الكبيرة في المدخل فوق البوابة، طلقات القناص كانت تحاول تغيير معالم المكان بقدر ما تستطيع لكنّها عجزت عن ذلك تماماً.

 

وجد على الرصيف تحت اللافتة بقايا حرف الياء المكسور، تعثرّت قدماه بحرفٍ آخر عندما حاول الدخول، انحنى على الأرض بكامل اتزانه و أناقته والتقطه بحنان، وبنفخةٍ واحدة أزال الغبارعنه، حدثه عقله بأنّه حرف الجيم رغم ضياع النقطة التي تميّزه عن غيره من الحروف، هناك أشلاءٌ لحروفٍ أخرى مرميّة على الأرض،  نسمةٌ صيفيّة خفيفةٌ أثارت بعض الغبار وحركت حرف الواو الآيل للسقوط.

 

قوة خفيّة منعت سقوط جميع الحروف في عنوانٍ استطاع هذا الرجل الغريب قراءته بقلبه لا بعينيه رغم الحروف الناقصة . 

 

"سينما النجوم"

 

ولج المكان بخطوةٍ طويلةٍ خشية أن يؤذي الحروف المرمية فوق الأنقاض، ثمّ مرّ من مدخلٍ صغير يحاذي شباك التذاكر الذي تحول إلى متراس، شاهد بقايا طلقات الرصاص هناك تملأ الأرض، تسلّق أكوام الأنقاض المرمية عمداً وكأنّه يتسلق قمة جبلٍ صخريٍ يطلّ على هاوية. كان يناور من زاويةٍ الى أخرى دون أن يفقد شيئاً من رصانته وبهائه، انزلقت العكازة حين لم تجد أرضاً صلبةً، ضغط عليها فانغرزت في الأرض، كادّت قبعته ذات الحواف الحادة أن تسقط لكنّه و بيدٍ خبيرة أعادها لمكانها.


 وصل أخيراً الى قاعة العرض، استلّ ساعته المثبتة في الجنزير الذهبي، نفضها بعنفٍ فانفتح غطاؤها المعدنيّ بصوتٍ ملأ صداه المكان.

 

الثامنة تماماً


لقد وصل العرض في الوقت المحدد تماماً، المكان مظلمٌ جداً،  ضوءٌ أبيضُ انبثق فجأةً من وسط المسرح عن  تلفازٍ كبيرٍ قديم العهد من تلفزيونات الأبيض والأسود وُضع خصيصاً في وسط المسرح كبديلٍ عن شاشة العرض التي مزقتها قذيفة دبابة.

 

جلس على المقعد الوحيد الباقي أمام الشاشة بكامل انضباطه، ولم ينتبه لرشقاتٍ من الرصاص الحارق اخترقت الشباك الخلفي لقاعة العرض موّجهة نحو مكبرات الصوت المعطلة أصلاً في القاعة، حبس أنفاسه كي يسمع جيداً الصوت الضعيف الصادر عن هذا الجهاز القديم، كان منتشياً بأصوات الشخصيات التي يعرفها جيداً والتي غابت ابتساماتها عنه منذ فترةٍ ليست بالبعيدة،

 

اتسعت عيناه بدهشةٍ عندما مرّت عدسة المخرج قرب منزلٍ يشبه منزله، حاول تمييز المكان وكأنّه يراه أوّل مرّة، حرك رأسه للأمام ليرى أكثر دقة، لكنّ مجموعةً مسلحة اخترقت قاعة العرض متجهةً نحو خطوط التماس أوّل المخيم، مرّت أمام التلفاز وحجبت عنه الرؤية لثوانٍ معدودات كانت كافية لنهاية مشهد المكان وبدء مشهدً جديد.


أعاد جسده إلى وضعيته الأولى مستنداً بظهره إلى ذلك الكرسي الوحيد و قد رأى الشاشة مجدداً، كان وجه المخرج يبدو مرهقاً وقد شارك أبطاله مصائرهم، يخرج صوت المخرج واضحاً من شفتيه السمراوتين: صعبة! صعبة ومرة ....إي نظامي خيا.. صعبة ومرة .

 

استطاع تمييز صوته رغم الضجيج الذي أصدره فجأة صاروخٌ لطائرةٍ مجهولة الهوية حطّ على سطح بناية ملاصقةٍ في تلك اللحظة، لم يعر اهتماماً لذلك مطلقاً، لقد كان كيانه كلّه مشدوداً نحو مصائر أبطال هذا الفيلم.

 

تمرّ مصفّحةٌ وسط المسرح نحو خطوط الاشتباك أيضاً، لقد كانت الحرب خارج السينما تشتدّ وتستعر وفي الوقت ذاته أحداث الفيلم أيضاً كانت  ترسم مصائر أبطاله بطريقةٍ أكثر جنوناً و وحشية.    

                                                         
للحظةٍ لمع الخوف في عيني هذا الرجل الذي لم يعتد الخوف في حياته، لقد كان خائفاً على مصائر هذه الشخصيات، شعر بلحظة غضب على المخرج الذي وعده بنهاية سعيدة لهذا العرض،


أوشك الفيلم على نهاية مأساويةٍ كان يخشاها منذ البداية، لكنّ انفجار قذيفة هاون دمرت السقف فوق التفاز القديم منعت حدوثها، أجزاء السقف المدمر تساقطت على الجهاز الذي أصدر صوتاً خافتاً ثمّ توقف تماماً.


أخرج ساعته مرّة ثانيةً، تأملها بإمعانٍ قبل أن تنفرج شفاهه عن ابتسامةٍ عريضةٍ حين تأكد من دقة توقيت النهاية كما قرأها مكتوبة في لوحة الاعلانات، و كأنّ المخرج قد تواطأ مع رامي الهاون على هذه النهاية.

 

بعنفٍ هزّ الساعة نحو الأسفل فانطبق الغطاء المدني بصوتٍ دون صدىً هذه المرّة.

 

خبط الأرض بكعبي قدميه معاً في حركة واحدةٍ لينتصب واقفاً كرمح، وبرفق أزال قليلًا من الغبار عن ثيابه بالأطراف الخلفية لأنامل كفّه الأيمن،

 

وضع عكازه تحت إبطه، تجولت عيناه برهةً في المكان لتستقر ناحية المخرج، أصلح بعض الخلل في هندامه، ثمّ مضى بخطاه الواثقة.

 

ضوء القمر الخافت خارج القاعة لم يكن كافياً ليرى لوحة الاعلانات المدلاة على حائط ٍ يوشك على السقوط بعد أن أكل الرصاص أغلب نصفه السفلي،

 

أخرج قداحةً فضية من جيبه رفعها نحو عينيه ليمسكها جيداً، ضغط عليها بإبهامه بقوة، ليخرج صوتٌ أشبه بصوت احتكاك الطبشور الجاف بلوحٍ خشن ثم ّاشتعل الفتيل الرطب، يشتدّ صوت الرصاص حوله،

 

يقرّب اللهب الصادر ناحية البلور المكسور للوحة الاعلانات، يتهجى تاريخ العرض القادم، يدونه في دفتر ملاحظاته، ثمّ يكمل طريقه خارج المكان،

 

يتوقف مرّةً أخيرة تحت اللافتة التي لم يبقِ القتال من حروفها سوى حرف النون موشكاً على السقوط،

 

يهتزّ الحرف أمامه، فيرفع عكازه ضاغطاً برأس الحصان النحاسي على المسمار الأخير الذي يربط الحرف باللافتة

 

يضغط بأقصى ما يستطيع،

 

يضغط بكلّ ما أوتي من ذاكرة،

 

قهقهة حادّةٌ تخرج من جوفه تكاد تمزق حنجرته، يختلط أزيزٌ طويل لقذيفةٍ ارتفعت فوقه في المكان مع بحّة صوته الخشن، خيطٌ من النار يلحق بالقذيفة، ينير المكان لوهلةٍ عن رجلٍ غريبٍ اقتحم التاريخ بعكازٍ نحاسيٍّ ليحمي حرفاً أخيراً من السقوط،

 

تسقط القذيفة قرب مدخل السينما و تحجب الرؤية تماماً،

 

غبارٌ كثيف يلفّ المكان.

 

المشاركة
#مخيم اليرموك  # حصار  # سينما  # مقال  
عرض المزيد