مقالات بدايات

بين الحياة والموت. صور بدئية للتمرد في سورية

02/02/2018

”لا يمكن فصل هذه الفيديوهات المحددة جدًا في الزمان وفي المكان والحميمية بعض الشيء عن سياقها. مع أنها تلامس أيضًا شيئًا عالميًا في الأساس: التمرد و ما يرافقه من مشاعر وتجارب متناقضة: الرائحة ،الخوف، الأمل ، الشك  والموت. إن هذه المقاطع القصيرة والهشة لذاكرة حية تهز أيضًا النصوص والسيناريوهات المحبوكة جيدًا والتي تهدف إلى جعلنا ننسى معنى الانتفاضة في سورية وخارجها. “

الكاتب: سيسيل بووكس، الأستاذة في المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية

 

خلال سنوات بحثي الخمس حول استخدامات وقواعد الفيديو في سياق التمرد ومن ثم الحرب في سورية، تركت كثير من الصور في نفسي أثرًا عميقًا. وصدمتني صور أخرى بل جرحتني. ومن هذا التراكم البصري، والصوتي والانفعالي تميزت مع ذلك ثلاثة فيديوهات أخصبت ذاكرتي وتفكيري. حلت كل منها في منطقة رمادية، منطقة متوسطة حيث يتشوش البصر وحيث تتحدد طرق الإدراك من جديد. في هذا المكان غير الأمن، من الصعب وضع حدود بين هدف الحركة الفيلمية التي تكمن قبل كل شيء في الرغبة بتقديم شهادة، يرافق ذلك صعوبة التحكم المتعلقة بعشوائية الحدث أو بالأحرى بالشهادة على التجربة المتجسدة بالحدث. لدينا صور بدئية إذن تدل على التفردات المتناقضة لهذه الفيديوهات حيث تبرز بشكل ارتجالي نقاط اتصال بين التجربة الذاتية والتاريخ الذي يتكون في الوقت ذاته، بين الجسد والحدث، بين الحياة والموت. لأن من صور هذه الفيديوهات جازف بحياته من أجلها، أناس عاديون أو ناشطون إعلاميون، تخصصوا بحكم الظروف بالتوثيق المصور للأحداث.

 

منذ أذار/مارس 2011 انبثقت ضرورة تصوير التظاهرات والقمع الذي تعرضت له من الإرادة باستعادة الحقيقة في ما يتعلق بالوقائع التي تنفيها الرواية الرسمية التي تزعم وجود مؤامرة واصفة المتظاهرين بأنهم إرهابيون إسلاميون. ستتنوع استخدامات الفيديو (توجيه تكريم، بيانات، ممارسات احتجاجية جديدة مصورة، قتال، إلخ... ) مع تطور حركة التمرد وانحرافها التدريجي نحو الحرب.  ومنذ ذلك الحين، وضعت مئات ألاف الفيديوهات على الانترنت خاصة على يوتيوب.  لم يشهد أي تمرد أو صراع إطلاقًا توثيقًا كهذا  قام به هؤلاء الذين يعيشون الأحداث مباشرة. وبشكل متناقض لا تتطابق غزارة الصور والتسجيلات الصوتية هذه، وصانعوها مجهولون أكثر الأحيان، مع رؤية مبالغ فيها، إذ أن أثر الحشود على العكس يشكل عائقا أمام الرؤية. هذه الصور المتناثرة في فضاء الانترنت المتحرك والخوارزمي والتي تسترعي انتباهنا هي في أغلبيتها في حالة كمون حين لا تختفي بكل بساطة.[1] فهي مدفونة تحت طبقات أخرى من الصور والأصوات ويجب البحث عنها بصبر، للعثور عليها، واحدة تلو الأخرى[2]. رغم إمكانية الوصول إليها في الظاهر تبقى هذه الفيديوهات إذن نادرة. وأكثريتها هي غير مجدية. لأنها قبل كل شيء تقدم القليل من الدلالات على سياق الوقائع المصورة، وفي أغلب الأحيان تكون في حالة طارئة.  ومن ثم، رغم كميتها فإنها لم تؤثر بأي طريقة على علاقات القوة. إذ أن قيمتها وقوتها تتجاوزان الزمنية العابرة للسياسة ووسائل الإعلام، فهي ترسخ في قوة التجربة المعيشة وتقلبها التي تقوم بحركة مزدوجة من تكثيف وتمديد الزمن والتاريخ الخاصين بالتمرد. يسهم هذا الالتحام المتناقض للزمنيات بإبراز نظم رؤية غير مسبوقة، تكون أغلب الأحيان على حدود عاداتنا الإدراكية.

تتطلب مشاهدة هذه الفيديوهات[3] والاستماع لها جرعة ما من المثابرة والتواضع. والتجرد عن التنظير يفرض ذاته لكي لا نسحقها و نعيد تشكيلها ولكي ننشر كل فرادتها وجذريتها. تتنوع استخدامات الفيديو في سورية وتتأثر بتطور الأحداث لدرجة أنه من العبث السعي لإيجاد مبادئ تميزها. هنالك دروب فهم أخرى يجب اكتشافها. لا تمثل الفيديوهات التي سألامسها هنا بأي حال  الفيديوهات الأخرى الكثيرة، ولكن كلها تحركها التجربة المعيشة: هي لا تفصل عن اللحظة التي صورت فيها وعن الذين صوروها  لأنها كل ذلك يشكل كيانًا واحدًا. يوثق ملتقطو الصور الحدث الذي يخطفهم في الوقت ذاته. إنها صور متجسدة وحية تقحمنا بشكل عنيف شيئًا ما في الحدث وفي اللحظة.  تحركها الرغبة بالإظهار من أجل تقديم الشهادة ومع ذلك تجعلها قوة الحالة المصورة غير شفافة. إنها إذن صور متناقضة غير ناجحة في الظاهر نتائجها عكس المتوقع، وغير قابلة للقراءة وهي تناقض قصدها الأول.

 

صورت الفيديوهات الثلاثة التي ستلي بين عامي 2011 و2012  قبل عسكرة الصراع. وتحمل في طياتها صفة البراءة والعفوية التي سنجدها بصعوبة لاحقًا حيث يؤدي هم الفعالية إلى نمذجة اللقطات وفق معيار واحد. خلال هذ الفترة على العكس، نشهد ممارسات تصويرية غريزية تؤدي إلى أشكال بصرية سمعية غير مسبوقة.  في هذه الفيديوهات الثلاثة توصف الكلمات، والأصوات والانفعالات، والحركات وتوضع في سياقها وتستجوب. وفي كل منها أحاول أن ألتقط الانتقال من الذاتي إلى الجمعي وامكانيات اللقاء بين الشخص الذي يصور والمشاهد.

تظاهرة حماة 25 أذار/مارس 2011، المصور مجهول، دقيقة و16 ثانية

بعد عشرة أيام من التظاهرات الأولى في درعا والتي قمعت في الدم، قرر سكان من مدينة حماة النزول إلى الشارع ليظهروا تضامنهم مع الضحايا.[4]

وخلال هذه المسيرة العفوية  نسمع المتظاهرين يهتفون "حرية" ، بالروح بالدم نفديك يا درعا ". أن يقال ذلك بملئ الصوت في حماة يحمل دلالة خاصة  بالنسبة لتاريخ هذه المدينة . ففي عام 1982 في زمن أسد الأب، قصفت حماة لمدة عدة أسابيع لسحق حركة احتجاج انبثقت من عدة قطاعات من المجتمع، إن كانت علمانية أم إسلاموية. واتاح اختيار حماة ، معقل  المعارضة الإسلامية، أن يوضع هذا القمع الأعمى  تحت مسمى "مكافحة الإسلاموية" ، وهذا التأطير ما زال سار في الصراع الحالي. ولقد  أسفرت المجزرة  التي جرت من دون أي عقاب عن 30000 قتيل،  هذا من دون أن يحتسب المختفون والمهجرون. ولقد جرت المجزرة بشكل مغلق من دون كاميرات. ولم تظهر حتى يومنا هذا  سوى عشرات من الصور للمدينة المدمرة والجثث الممددة بمحازاة بعضها. إذن سكان حماة هؤلاء الذين تظاهروا في عام 2011 يعلمون مدى همجية هذا النظام . ولكنهم يظنون أيضًا بسذاجة للأسف أن التصوير يمكن أن يحميهم،  وأن العنف القمعي يمكن أن يستوعب عبر اخضاعه لنظرة خارجية.

 

لقطات هامة على مستوى الحدث، فالفيديو قد صور بجهد كبير بوساطة هاتف محمول. تتيح التحركات غير الثابتة لمح موكب من الأشخاص يتظاهرون بشكل عفوي: ليس هنالك يافطات والشعارات تهتف بشكل غير منتظم كما نسمع أبواق السيارات. يلتفت بعض الرجال بعصبية. ونرى أيضًا مبان وشجر بلح. وفي المحصلة لدينا القليل جدًا من عناصر السياق التي تسمح لنا بفهم ما يجري بشكل فوري. هذا المقطع المصور هو من دون قيمة اخبارية تذكر و لا يخبر عن الحدث سوى بشكل ناقص. تكمن قيمته الوثائقية في مكان آخر، وبشكل أدق في عدم وضوحه. تنقل فوضى الصور والأصوات للنظر والحس بشكل فوري وجسدي انفعال ملتقط الصور والناس المحيطين به. و يبرز انفصال الأطر عن بعضها إضافة إلى انكسارات الحقل البصري الوضع الهش لهذا الفيديو الذي صور من دون إذن[5] وهنا يكون فعل التصوير هو حدث بحد ذاته يأتي ليشهد على لحظة الانفصال هذه حيث كل ما كان من غير الممكن تصوره قبل ذلك بقليل أصبح ممكنًا. و يكثف هذا الانقلاب الجذري من دون عودة والخاص باللحظة الثورية انفعالات متناقضة. تظهر حمى الصورة وقوة أصوات المتظاهرين بشكل ملموس جدًا حالة  الارتباك حيث تمتزج النشوة والخوف والريبة. ونسمع بشكل خاص صوت ملتقط الصور، ويختلط بالتاريخ الذي هو في طور الصنع نبرة صوت أو صرخة بالأحرى. التمرد ليس حدثًا سياسيًا وتاريخيًا فحسب بل هو أيضًا حدث حميمي حقًا بالنسبة لكل فرد يشارك فيها.

 

 

تشكل هذه الحميمية موضوع هذا الفيديو . إنها توثق هذه التجربة القصوى للتظاهر في سياق شديد القمع وتنتج رؤية حركية جسدية وانفعالية للحدث الذي هو راديكالي لدرجة لا يمكن تقديمه بشكل متماسك. إن هذا الترابط بين الجسد والكاميرا والحدث ينقل الإدراك البصري نحو إدراك حسي. يسبب الدفع بشكل فجائي نحو مرحلة من تجربة حادة لهذه الدرجة حالة قلق حيث يكون المرء مرهقًا وعاجزًا عن السيطرة وضائعًا على غرار الشخص الذي يصور. هنالك عشرات آلاف الفيديوهات مثل هذا الفيديو قد صورت خلال التظاهرات في سورية، وأيضًا في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين في عامي 2010 و2011. ولكن شيء مزعج حدث بشكل خاص في هذا الفيديو. ففي لحظة محددة (55") كان المصور   مغمورًا جدًا بالتجربة التي يعيشها لدرجة أنه نسي بأنه يصور. لذلك نرى إطار الصور يتحرك مع إيقاع  الذراع الذي يتبع ترديد الشعار[6].  يتم ذوبان الحركة الفيلمية في الحركة الاحتجاجية بشكل تدريجي، ونشهد هنا تصاعدًا على غرار موج البحر. نلاحظ في بداية الفيديو بعض التأرجح: تحاول النظرات القلقة أن تميز رجال المخابرات، وتهتف شعارات عدة في آن. ثم ينتهي الأمر بالمسيرة والأصوات بإيجاد إيقاع مشترك، ويبدأ الجمعي بالتجسد. من المؤكد أن المصور لم يتظاهر قط فهو يتعلم التظاهر أمام أعيننا. في البداية  يبدو التحرك خجولًا، ولكنه يصبح أكثر ثقة خلال ثوان. ونشهد حينئذ ولادة جسد احتجاجي  في المفرد وفي الجمع. في هذه اللحظة، تقلب الصورة نظرتنا بكل معنى الكلمة. وتتحرر لتغير وضعها،  ويجرفها الواقع. وعلى غرار جهاز قياس الزلازل تسجل نبض الحدث، الطاقة الرائعة لحشد يتحد في الانتفاضة ويتحدى الموت. لم تسنح لي الفرصة قبل الآن أن أرى وأسمع وأشعر بقوة تجربة كهذه. فالصورة التي تولد في هذه اللحظة التي تشكل الذروة، وهي في آن مجسدة وميكانيكية تجسد أثرًا حيًا لهذه العلاقة بين الحدث التاريخي والحدث الداخلي، بين الجمعي والحميمي.

 

القمر، حماة 6 نيسان/ابريل 2012، لمجهول، 31" [7]

خلال الجولات الكثيرة التي قمت بها على يوتيوب، صادفت فيديو غير متوقع ومختلف عن جميع الفيديوهات الأخرى لدرجة أنني حين حمّلته لم أكلف نفسي بذكر العنوان الالكتروني على الشبكة، ولا عنوان الفيلم كما وضع على الشبكة، وهي معلومات أساسية للتعريف المرجعي لفيديوهات بحثي. وجدته رائعًا ولكنه كان فريدًا لدرجة أننني لم أر كيف يمكن تضمينه في فئات الاستخدام التي بدأت أضعها. كل ما لاحظته هو أنه صور في منطقة حماة. والمعلومات الوحيدة التي لدينا بهذا الخصوص هي التي يمكن رؤيتها وسماعها في هذا الفيديو: بدر كامل في 6 نيسان/ابريل، تبادل إطلاق النار. حين حاولت البحث عن هذا الفيديو من دون جدوى على يوتيوب انطلاقًا من هذه المعلومات القليلة ظهرت أمامي دزينة من الفيديوهات توثق الحدث ذاته مما أسهم بجمع بعض العناصر من السياق. جرت تظاهرة في باب القبلي بعد ظهر هذا اليوم وانتهت بعدة عمليات توقيف. وسمع في الليل تبادل إطلاق نار. ولكن كيف نظهر ما لا نراه؟ كيف نصور من دون المجازفة بأنفسنا؟ تؤطر بعض الفيديوهات مأذنة جامع ينيرها ضوء نيون أخضر، وأضواء المدينة بعيدًا. ولكن ولا فيديو يصور القمر الممتلئ في هذا اليوم. إنها فعلاً الحركة الوحيدة لملتقط الصور هذا. ويرافق خيار التصوير هذا أيضًا حركة مونتاج:   يتشكل الفيديو من أربع لقطات مدتها متفاوتة جدًا. الأولى مدتها 20 ثانية والثلاث الأخرى بضع ثوان فقط. وعلى الأغلب صورت مع فارق بضع دقائق وحتى بضع ثوان. كيف نفسر هذا المونتاج؟ فهذا لا يطابق قواعد الشهادة المصورة التي نشرت بشكل واسع في الفترة التي صور فيها هذا الفيديو وعنصره الأساسي هو اللقطة الواحدة، لقطة متتالية طويلة للمشهد، لتجنب أي شك بالتلاعب.

 

 

يشكل هذا الفيديو لغزًا يحرك شلالاً من الأسئلة وينشط الخيال. على غرار الفيديو السابق، فهذا الفيديو متناقض بمعنى أنه لا يظهر ما هو مفترض توثيقه. مع أن النية بالشهادة أكيدة. ولمرتين، خاصة بسبب  أثر المونتاج يحدد المصور تاريخ التصوير. ولكن الأثر الصوتي لتبادل إطلاق النار، مع أنه واضح بما فيه الكفاية وهو أصل التقاط الصور، تبعده تمامًا الصورة الباهرة وهي تقريبًا غير حقيقية لهذا القمر الضخم الفلوري الذي ينتفض وكأنه يريد الفرار من الإطار. وهذا التغيير غير الإرادي لموضوع الفيديو يقول على ما يبدو شيئًا في ما يتعلق بهشاشة هذا النوع من الشهادات، استحالة ترجمة الحدث أما لأننا داخله كما في الفيديو الأول أو لأنه يهددنا بشكل مباشر وعلينا التصوير عن بعد كما هو الحال هنا. وفي الحالتين يبتعد عن نظرنا. وهنا أيضًا تفلت الحركة جزئيًا من المصور الغارق في التجربة المعيشة. يده ترتعش والعدسة المقربة تبرز الارتعاشات التي تنعكس على القمر كنشوة. تفسر هذه التحركات الخارجة عن السيطرة من دون شك المونتاج: أراد مصور الفيديو أن يضع القمر في الإطار. وهذا أصبح همه الرئيسي، أصبح هوسًا تقريبًا. وكأنه تعلق بهذا الكوكب. فالسماء حين يكون كل شيء غير مؤكد، حين تقترب الحرب أو تستعر، تبقى هي غير مبالية بالطلقات النارية وبالمأساة. ولذلك فهذا القمر لديه شيء مطمئن ليصور كمعلم، كصورة مبدئية. ولهذا فمن المهم للمصور ألا يخرج القمر من الإطار. إنه استعارة عرضية للقلق، وهذا الفيديو يصبح تعويذة فلمية للهروب من الفوضى.

 

هذا الفيديو هو أكثر بكثير من شكل شعر غير إرادي: هو تجربة، هو مقطع من الوجود يجري في الصورة وعبرها.  هنا حضور كبير أيضًا للجسد والانفعالات من خلال تحركات العدسة الخارجة عن  السيطرة وعبر الصوت: الشخص الذي يصور يتكلم بسرعة ويهمس، لأنه يصور بالسر. وهذا الفيديو مجسد مع أن مصوره مجهول الهوية، ومن يشاهده يرى نفسه منتقلاً إلى فضاء الآخر من دون وساطة. إن هذه العلاقة المباشرة والقريبة هي جذابة بمقدار ما هي عابرة. تعطي إمكانية الوجود والرؤية في آن. تعطينا الرغبة بمعرفة المزيد عن الشخص الذي يصور، وبتخيل ملامح وجهه والقلق على مصيره... ينتج هذا الفيديو الذي يدوم 31 ثانية لقاءً، وبهذا هو على النقيض التام للصور الإعلامية غير المتجسدة والمسيطر عليها والواضحة جدًا والتي عندما يتعلق الأمر بسورية تضع الآخر في موضع الضحية[8]. وبهذا الموضوع تشبه بعض صور الدولة الإسلامية، الأكثر دراماتيكية خاصة بشكل مبالغ فيه الصور الإعلامية.  تخدم السيطرة التقنية كما الثبات المرضي للأطر رؤية مضخمة للواقع وللرعب. وعلى خلاف الصور الإعلامية التقليدية، تحذف الدولة الإسلامية ضحاياها جسديًا وترغمنا على مشاهدة تنفيذ القتل في أدق التفاصيل كاستعراض لمجدها المفترض. على هذه الهمجية أن تكون قابلة للاستهلاك ولتجنب كل آثر للضجر، ينشر مؤلفو سيناريو الموت ترسانة من المشاهد التي أخرجوها مع الخدع التصويرية والمكملات والتأثيرات المختلفة. وبهذا كل فيديو يصور تنفيذ الإعدام هو حدث يهدف إلى خلق شعور بالذهول أشد دائمًا مع التأكد من النقل الإعلامي حيث تشكل البلاهة مع الرعب بالنسبة له بالتأكيد قيمًا أكيدة. وفي المقابل يعاد استخدام الصور الإعلامية في بعض فيديوهات تنظيم الدولة الإسلامية.[9] 

 

في الصور الثابتة أو المتحركة التي توضح أبعاد الصراع المختلفة في سورية لا تُقتل الضحايا إذن  ولكن تُعرض أجسادهم من دون حياة، وحتى ( وخاصة) أجساد الأطفال. أعيد تأطير الصور ولونت أيضًا أحيانًا لإبراز تفصيل ما، و كأن الجمالية بإمكانها تخفيف وطأة ما لايمكن تصوره. ولكن كل ما تفعله هو  التأكيد على الدناءة. لماذا لا نعرف وجه أيلان أو ضحايا المجزرة الكيماوية في إدلب وهم أحياء على غرار وجوه ضحايا اعتداءات "باريس" أو"نيس" ؟ الشخص الذي يصور هذا القمر في 6 نيسان/ابريل 2012 قريبًا من حماة ليس بضحية، إنه رجل يخبر عن جزء من حياته ويشارك به الآخر بطريقة لا يمتلكها غيره. إنه فاعل مؤثر وليس موضوع مقارنة. يرينا القمر البدر الذي من المفترض أن نراه كلنا، إنه شيءبديهي. إنها بداهة القمع وعدم التوازي المبالغ فيه إلى حد ما لعلاقات القوة. والبداهة أيضًا بالتصوير لاستعادة امتلاك وسائل قول الواقع وإظهاره، هذه الوسائل التي صودرت لزمن طويل. يكمن التمرد في هذه الحركات الخفية التي من المحتمل أن تكون مميتة. منذ أن اكتشفت هذا الفيديو أشاهده أو أتذكره بشكل منتظم. أنه جزء مني. أحيانًا احتاج مشاهدته مجددًا لأغسل نظري بصور كان علي ألا أراها قط. يعطيني القوة كتعويذة لمشاهدة جميع الفيديوهات الأخرى. اتمسك بهذه الصورة كالرجل الذي يصور يتمسك بالقمر. هذه الصورة تربطنا.   

معاوية أيوب، الرستن، 28 كانون الثاني/يناير 2012 دقيقتان و45 ثانية [10]

 

 

في هذا اليوم من  28 كانون الثاني/يناير2012  صور معاوية أيوب الناشط الإعلامي ضمن لجنة تنسيق[11]مدينة الرستن (بالقرب من حمص) حسب تعليق تحميل الفيديو على الانترنت، صور إطلاق نار قام به جنود من الجيش النظامي على مدنيين. كان في شارع، غير بعيد عن إطلاق النار. نسمعه في بداية الفيديو يصف المشهد بدقة: "إطلاق نار اليوم في 28 كانون الثاني 2012 على متظاهرين منعزلين بالقرب من بيت الشيخ مصطفى الحامد". أصيب في تلك اللحظة. تتأرجح الكاميرا ثم ينهار ونسمع حشرجة. في سرعة هذه السقطة الخاطفة وفوضاها، نلمح ما يشبه خيال مصور الفيلم (16 ثانية). يثبت الإطار وتعترضه ، من دون شك، يد المصور وتتموج بقع شبحية أمام العدسة. ولا نسمع  بعد ذلك ولعدة ثوان سوى الطلقات التي يختلط معها بعد ذلك صريخ أشخاص،(سكان الحي؟ رفاق ناشطون؟) يصيحون "الله أكبر!" وحتى في حال الحرب يثير الموت الذهول ذاته. ومن ثم يتحرك إطار الصورة لوهلة: يقترب أحد الأشخاص ويطلب المساعدة. ويتصاعد الصراخ. يبتعد نحو مكان أمن. ونسمع شخص يسأل عدة مرات:" من هذا؟" و شخص أخر يندب "يا الله!"  وهنا يصرخ أحدهم قائلاً: "لروحه السلام" وتنتهي الطلقات بتغطية الأصوات. تستمر الكاميرا بالتسجيل لمدة دقيقة ونصف بعد وفاة الناشط وبذلك تحل العين الميكانيكية محل العين البشرية.  يحتاج المشاهد بعض الوقت لإدراك عنف هذا المقطع، وهذا الانقطاع الجذري بين، ما قبل وما بعد، الذي يقتحم الحياة والصورة. في القسم الأول لا نرى أي شيء من ما هو مفترض أن يكون موثقًا، لانسمع سوى صوت إطلاق النار فحسب. ثم ينقض الموت كاشفًا هشاشة الشخص الذي يصور.

 

 

منذ "معركة الشيلي" (1975) لباتريسيو غوزمان، أصبح الموت المباشر لحامل الكاميرا موضوعًا للبطولة الصحفية[12] ولكن كي يُعترف بهذه السمة من الضروري على الأقل رؤية من يعاين الهدف ويطلق النار. لا شيء من هذه الدراما ترجية هنا، ما قبل وما بعد فحسب، الموت بكل تفاهته والصدمة التي يسببها. لا يوجد عرض إذن ولكن هنالك مقطع خام من تلك التجربة، التجربة بوساطة الصورة. هذا الموت الذي لا نراه كأنه يأتي لينطبع في الصورة وكأنه صورة سلبية، بصمة. الموت يغير الإطار واللون والنسيج.  يخلق قرب هذا الشخص الذي فقد حياته، مع التحركات الغامضة داخل الإطار وصوت الهواء أثر حضور استثنائي. لدينا الانطباع بأننا بين عالمين. عالم الميت وعالم الأحياء الذين نسمع أصواتهم وصوت الطلقات النارية في صورة لم يعد لديها حقل رؤية، ولكنها ما زالت مسكونة بالواقع . صورة بدئية، وهي في آن أثر للحياة وللموت. إن كان هذا الفيديو يوحي بأن العنف يمكن تمثيله من دون رؤية الأجساد المرضوضة فهو يستوقف أيضًا من يشاهده. لماذا لم يقطع التصوير فورًا بعد مقتل المصور (16 ثانية)؟ يتعلق الأمر قبل كل شيء بتكريم معاوية أيوب من خلال عرض هذه اللحظة و المحافظة على أثرها، في مكان ما من العالم الافتراضي.  ومن ثم يتعلق الأمر من دون شك أيضًا و بفضل علاقة الاستمرار بين الحياة والموت التي جعلتها الكاميرا ممكنة، بتسجيل حركته وحركة /ملحمة  الفيلم - الشهادة  ضمن شكل استقلالي ومستدام سيتجاوز وجوده وجود القناصة والقمع.

 

وبذلك المشاهد مدعو إلى أن يحس ويتذكر. من الصعب أن يجري استقبال الكلام والأصوات والصور بشكل منفرد، إذ أنه يستدعي صورًا أخرى ونظرات أخرى وكلمات أخرى لفهم مدى هذه الحركات الفيلمية الراسخة في قوة تجربة هؤلاء الذين يواجهون التاريخ والعنف. يتطلب غياب الوساطة عمل قراءة شاق وغالبًا مؤلمًا، وعلى الانفعال والتفكير أن يقويا بعضهما البعض. وهنا يجري فهم هذه الصور ونقلها أيضًا. لا يمكن فصل هذه الفيديوهات المحددة جدًا في الزمان وفي المكان والحميمية بعض الشيء عن سياقها. مع أنها تلامس أيضًا شيئًا عالميًا في الأساس: التمرد و ما يرافقه من مشاعر وتجارب متناقضة: الرائحة ،الخوف، الأمل ، الشك  والموت. إن هذه المقاطع القصيرة والهشة لذاكرة حية تهز أيضًا النصوص والسيناريوهات المحبوكة جيدًا والتي تهدف إلى جعلنا ننسى معنى الانتفاضة في سورية وخارجها. 

 

 

 

 

 

 

 

 


[1] حتى يومنا هذا 15 % من فيديوهات بحثي قد حذفت  إما بسبب إغلاق الحسابات التي وضعت على الشبكة عبرها أو بقرار من مديري موقع يوتيوب. 

 95 % من الفيديوهات التي صورت في سورية غير مترجمة وموثقة باللغة العربية.[2]

[3]مؤرشفة ويمكن مشاهدتها على صفحتي vimeo   وعلى يوتيوب وضعتها SyriaFreePress على الشبكة في 25 أذار /مارس 2011    

[4]. لقد نظمت التظاهرات في دمشق  وحمص وحماة وطرطوس واللاذقية دعمًا لدرعا.  تنتشر التعبئة بشكل مكرر وتزيد من حدة الأعمال الاحتجاجية مع القمع وعدد القتلى

[5] بالطبع كان التظاهر كما التصوير في الشارع من دون إذن قبل الانتفاضة ممنوعًا في سورية.

[6] مقطع مدته 4 ثوان  في هذا الفيديو استخدم في القسم الأول من فيلم ماء الفضة لأسامة محمد (2014). ومن دون شك هذه الحركة ذاتها والشعار المرافق لها( بالروح بالدم نفديك يا درعا ) لفتت انتباه المخرج الذي جعلها تمتزج كالصدى مع حركات أخرى. ولكن نزعها عن زمنيتها الخاصة  لم يعد سوى توضيحًا للسيناريو الذي يفرضه المخرج.

[7]http://vimeo.com/197281756  مؤرشف ويمكن مشاهدته عبر هذا الرابط

[8] مجموعة السينمائيين السوريين المغفل اسمهم أبو نضارة ينتجون تفكيرًا ملتزمًا على الأرض حول حقوق الصورة في سياق الصراع في سورية

أنظر على سبيل المثال المنبر المعنون" نموت، اعتنوا بحقوق الصورة" والذي نشر في صحيفة ليبيراسيون  في 1 أيار/ مايو 2016 http//www.liberation .fr/debats/2016/05/01nous-mourons-prenez-soin-du-droit-a-l’image_1449830

[9] أنظر Cécile Boëx “la video posthume d’Amedy Coulibaly. Le Martyre à portée d’images”, Cahiers du cinéma numéro 708, février 2015

[10] https ://vimeo.com/212740186(vimeo) et https ://www.youtube.com /watch ?v=163UupYDofw&t=26s(youtube),

2012 فبراير حمله نجم المنصور (1083 مشاهدة في 13نيسان/ابريل 2017) على شبكة الانترنت في 5 شباط/

 

[11]  شكلت شبكة من لجان التنسيق بسرعة لتنظيم التظاهرات والتكفل بالجرحى في عيادات سرية متنقلة وتأمين توثيق ونشر التظاهرات 

[12] في نهاية القسم الأول "تمرد البورجوازية" يعيد غوزمان استخدام صور الفيلم  الذي صوره الصحفي ليوناردو هنريشسن الذي استهدفه وأصابه عسكري أثناء تصويره مواجهة بين المتظاهرين وقوى الأمن.

المشاركة
عرض المزيد