مقالات بدايات

فيلم "المنطقة صفر": تهويمات وخواطر حول اللجوء السوريّ

16/10/2017

”هذا الجواب: "الحرب"، هو راهن سوريا اليوم، والتي استحال الصراع فيها اليوم إلى حرب داخليّة وحرب خارجيّة مباشرة وبالوكالة، إلا أنه يغفل تمرحلات الصراع وبداياته وتحولاته. تعمل وسائل إعلام غربية على الإشارة إلى ما يحدث في سوريا بكلمتين: "الحرب الأهلية". وهو قولٌ، وإن يكن صحيحاً وقد باتت سوريا اليوم في قاع هذه الحرب، إلا أنه كان دينَ وديدَن وسائل إعلامية غربية وازنة ومؤثرة منذ 2011، ناهيك عن الإعلام العربي الذي يتحول تبعاً لتحولات مواقف "طويلي العمر" من نظام الأسد اليوم  “

الكاتب: عبدالله الحلاق

عُرض متأخّرًا في مدينة ميلانو الإيطاليّة، فيلم "المنطقة صفر"، وهو من إخراج المخرج الأرجنتيني بابلو توسكو، ومن إنتاج شركة "أرينا كومينوكيشن"، ودعم من "المفوضيّة الأوروبيّة". الفيلم تم عرضه في عدة مدن أوروبية وإيطالية سابقاً، وأيضاً في الأردن التي يقيم "الزعتري" ولاجئوه على أراضيها. وكان الفيلم قد عُرض لأول مرة عام 2015، وهو يسلط الضوء على حياة لاجئين سوريين في المخيم، وعلاقة هؤلاء بــ "وطنهم" على خلفية تجربة اللجوء والاقتلاع القسري من هذا "الوطن".

 

يتناول الفيلم يوميّات لاجئ سوريّ في مخيم "الزعتري" في الأردن، يعملُ في محلٍّ لبيع الهواتف الخليويّة وإصلاحها. مهنته هذه ستكون بوّابة للحديث في الفيلم، وكمحور له، عن ذكريّات السوريين المبعدين قسرًا عن بلدهم. وذلك عبر امتلاك مأمون الوادي، وهو اللاجئ السوريّ من مدينة درعا، لجهاز كومبيوتر محمول ولآلة طابعة تكونان سببًا في توافد السوريين الذين يعيشون في "الزعتري" إليه، لطباعة الصور، ولامتلاك ذكريات مطبوعة لأهلهم وذويهم ممّن فقدوهم أو تركوهم في سوريا.

 

يصوِّر الفيلم يوميّات دقيقة وواقعية لحياة لاجئين سوريّين في المخيّم الأردنيّ. هي واقعية، ضمن السياق الإنساني والوجدان السوريّ الذي عاش تجربة الاقتلاع القسريّ من سوريا، وتحوّلهم إلى لاجئين في دول الجوار وغير الجوار، وفي الأردن هذه المرة.

 

يركّز الفيلم على المشهد والصورة أكثر حتى من تركيزه على اللجوء كــ "حالة ديموغرافيّة-سياسيّة" باتت اليوم هاجس العالم. قد يكون هذا مفهومًا تبعًا للسيناريو وللغة الفيلم البصريّة التي تصوّر حياة لاجئ سوريّ ويوميّاته في الأردن. إلا أن الأسئلة تطرح نفسها مجدّدًا لدى الحديث عن اللجوء وأسبابه، والجواب عنه في الفيلم يقتصر على كلمة واحدة: "الحرب".

 

يضيء الفيلم على اللجوء وما يكابده اللاجئ من شوق وذكريات مع أحبّة ترَكهم ومضى، ربّما قُتل بعضهم، أو اعتُقل، أو نزح داخل سوريا إلى المناطق الخاضعة لسيطرة النظام. لكن هذا الفيلم المدعوم من "المفوضيّة الأوروبيّة"، والذي عُرض وما زال يعرض في صالات مؤسّسات ثقافيّة أوروبيّة، يظلّ مشغولا بالصورة وبالإخراج، أكثر من انشغاله بجذر القضيّة والمتسبّب الرئيسيّ لهذه الكارثة الإنسانيّة التي باتت مادّة لأفلام كثيرة شبيهة. 

يعيش معظم اللاجئين في مخيّم "الزعتري"، بالطبع، في خيام، صوّرتها كاميرا الفيلم أكثر من مرة وقد طُبعت على كل خيمة كلمة "UNHCR"، أي "المفوضية العليا لشؤون اللاجئين"، وبالخط العريض وبشكل متناسق تناسُقَ تلك الخِيم واصطفافها بانضباط لا يعادله إلا انضباط عسكر الجيوش العربيّة العقائديّة العتيدة، التي نكّل أحدها بهؤلاء وقذف بهم خارج وطنهم.

 

ليس الاستطراد هنا في الحديث عن الجيش السوريّ لزوم ما لا يلزم، بل ربّما وقع في صميم الحديث عن الفيلم، وإن عبّر غياب الحديث عن أي مسؤوليّة عن تهجير اللاجئين السوريّين من سوريا. الفيلم كان صادقًا ومنصفًا في تصويره مشاعر اللاجئ وحنينه إلى وطنه وأرضه وبيته وأحبّته الذين حوّلتهم طابعة مأمون الوادي إلى صور على "جدران" هذه الخيمة أو تلك، أو هذا البناء الإسمنتي أو ذاك. وبالنسبة لمشاهد أوروبيّ يشاهد الفيلم في ميلانو أو باريس أو روما أو برلين، سيكون الفيلم مؤثّرًا في شريحة من المتابعين، بغضّ النظر عن نسبة المهتمين والوافدين إلى السينما بدواعي الاهتمام حينًا، وربّما الفضول أحيانًا أخرى. ربّما سيكون أيّ حديث ضمن الفيلم عن سبب التهجير واللجوء وعن وجود قصف وقتل ومجازر ترتكب بحق المدنيين في درعا وكل سوريا، ضربًا من ضروب "الخروج عن النص"، والخروج عن النظرة المسبقة تجاه القضيّة السوريّة بصفتها قضيّة لاجئين من جهة، و"داعش" من جهة ثانية.

 

مأمون الوادي وجد عملًا في تصليح الهواتف الخليوية. هذا كفيل بأن يرتاح المشاهد من التفكير مليًّا في آخرين. طغت القشور على لبّ القضيّة في الفيلم، رغم محاولة المادّة خلق ترابط بين عمله في الإلكترونيّات والطباعة، وبين سوريا والحنين إليها عبر الصور الفوتوغرافيّة المطبوعة.

 

خرج المشاهدون من قاعة العرض في مؤسسة "Fondazione Cineteca Italiana" في ميلانو، وكان عددهم لا يتجاوز الــ 20 شخصًا في قاعة تتسع لحوالي 200 مشاهد. يمكنك أن تجلس مع صديق إيطاليّ مهتم فور الانتهاء من عرض الفيلم، وتتمعّن في الإيطاليّين والإيطاليّات ممن يرتادون البار أو المقهى، ويعبرون الشارع، لتتساءل: "لماذا سيهتمون؟ ولماذا يجب أن نلومهم؟".

 

 واستطراداً، يواظب السوريون دوماً، بعد تحميل السياسات الغربية على مستوى الدول وقيادات البلدان الغربية المعنية بالملف السوري المسؤولية عن مآلات الصراع اليوم، على لوم دعوة المجتمعات الغربية إلى الاهتمام بالقضية السورية. طبعاً، لا خلاف على  أن السياسات الغربية وتحديداً السياسة الامريكية تتحمل مسؤولية كبرى من مأساة السوريين اليوم. لكن، ليست تلك الدعوات التي أدمنها السوريّون طوال سنوات الصراع ناجعة على أيّ حال، تلك الدعوات التي تلوم الرأي العامَ الغربيّ، على مستوى المجتمعات، على عدم تضامنه مع قضيّة السوريّين فيما يمكن أن يرقى إلى مصاف اعتبار الجمهور الغربي "مغيّبًا"، يجب "تنويره" أو "تثويره" لصالح القضيّة السوريّة.

 

ربّما يكون من الأنجع تناول السياسات العامّة، الحكوميّة وغير الحكوميّة في هذه الحالة، لا المجتمعات التي لا يزال بعض السياسيين في المعارضة والناشطين والمثقفين يرون إليها احتمالًا لكتل يفترض أن يكون لديها قضيّة عامّة تحرّكها تجاه الشرق الأوسط، باعتباره "أرض القضايا المركزيّة، والحشود". والفيلم المذكور أعلاه مادّة ممتازة للإفاضة والاستفاضة في مجال الحديث عن السياسات. فيلم مدعوم من مؤسّسة دوليّة "المفوضية الأوروبيّة"، ومن مؤسّسات ثقافيّة أوروبيّة، يقدّم حكاية لا تشير إلّا إلى أفق وطريقة التعاطي السابق والحالي والمستقبلي مع الصراع في سوريا، في لحظة يرفع فيها سفّاح سوريا قبضته ملوّحًا "بالنصر" من جهة، وبالتجانس من جهة ثانية، فيما يعرض الفيلم مادّة أدبيّة وشعريّة "إنسانيّة" تشبه حكايات الأطفال ما قبل النوم. مادّة لا تشوبُ مشاعرَ الحنين والشوق فيها أي "شائبة" سياسيّة.

 

***

ليست إيطاليا بلدًا مطروقًا بقوّة من قبل اللاجئين السوريّين، ويكاد يكون هذا البلد بالنسبة إلى معظمهم ممرًا ومحطّة عبور إلى بلدان أوروبيّة أخرى يحوز اللاجئون فيها "ميزات" أفضل. وإذا ما أمكن الحديث عن اهتمام بالمسألة السوريّة، يمكنُ الإشارة إلى نشاطات عديدة تشهدها مراكز ثقافيّة ومؤسّسات وكنائس مهتمة بقضايا الشرق الأوسط وسوريا خصوصًا، يناهض البعض منها نظام الأسد، في الوقت الذي لا تتميّز نشاطات جماعة سياسيّة واجتماعيّة مثل الــ CPI " casapound italia"، وهو واحد من الأحزاب اليمينيّة الفاشية في إيطاليا، بحشود أكبر في ما تقيمه من نشاطات مؤيّدة للأسد ومعادية لوجود اللاجئين السوريّين، واللاجئين عمومًا على الأرض الإيطاليّة. ما يميّزُ الحزب الفاشيستي الإيطاليّ المذكور هو قدرته على الحركة الأكبر في التواصل وإقامة علاقات مع نظرائه في الأحزاب اليمينيّة الأوروبيّة ونسج علاقات مباشرة مع نظام كنظام الأسد. كان أنصار هذا الحزب يتظاهرون في ساحة "بيتزا فينيسيا" في العاصمة روما، وهي الساحة التي كان يلقي فيها بينيتو موسوليني خُطبه، ويرفعون فيها صور الأسد. لم يكن عددهم يتجاوز العشرات، كما هو الحال في أيّ ندوة ثقافيّة، مؤيدة أو مناهضة للأسد.

 

اللاجئون السوريّون في إيطاليا قلة، وتحتاج معرفة أحوالهم وأفكارهم تجاه ما يحدث في بلدهم إلى استطلاع رأي. لكن، تمكن ملاحظة حالات كثيرة لها دلالات بالغة، يُذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، المظاهرة التي تم تنظيمها من قبل فعاليات سورية معارضة في إيطاليا، وفعاليات إيطالية "سياسية ومجتمع مدني"، وشهدتها ساحة Piazza Repubblica في روما في 7 تشرين الأول، أكتوبر، 2017. كان لافتاً حضور الإيطاليين المتضامنين مع القضية السورية بعدد يضاهي أو يزيد قليلاً عن أعداد السوريين المعارضين الذين خرجوا في المظاهرة المناهضة لحكم الأسد والمتضامنة مع السوريين في مأساتهم. معارضون سوريون كثر في روما لم يشاركوا في المظاهرة في الوقت الذي أتى فيه ناشطون سياسيّون إيطاليّون من نابولي وميلانو وغيرها من المدن الإيطاليّة ليشاركوا فيها.

 

على صعيد آخر، تمكن ملاحظة حالات كثيرة تستغرقها الحياة اليوميّة هنا ولا يستغرقها الحديث في الشأن السياسيّ أو في مغزى ومسبّبات وجود هؤلاء السوريّين كلاجئين، ضغط الحياة اليوميّة وإيقاعها السريع يسرق حتى بعض المسيسين منهم ويضعهم خارج دائرة تناول الشأن السياسيّ مع محيطهم الإيطاليّ أو العربيّ. يمكنك أن تجد أيضاً، ومثلاً، لاجئًا سوريًّا "مسيحيًّا" في إيطاليا كان يعرّف نفسه في سوريا ولبنان كسوري، بينما بات  يعرّف نفسه هنا كمسيحيٍّ "مضطهد" و"هارب" من الحرب التي يخوضها رئيسه بشار الأسد ضد التكفيريين، ويردّد معزوفة هذا الأخير عن حماية الأقليّات. لاجئ آخر متشدد دينيًّا يفرضُ النقاب على زوجته ولا يسمح لها بمصافحة الرجال في الوقت الذي لا يتردّد في مصافحة أي فتاة او امرأة إيطالية... وهلمجرا. هذه على أيّ حال من ميزات الحياة في الغرب والذي أتاح للسوريّين التعبير عن أنفسهم وأفكارهم وانتماءاتهم، وهو ما لم يتحه لهم نظام "الوحدة الوطنيّة" و"التجانس". وهي أمثلة فقط تدعي الحصر، إلّا أنَّ غياب السوريّين عن أيّة نشاطات سياسيّة أو ثقافيّة تتعلّقُ ببلدهم هو الواضح وضوح الشمس. يأتي هذا الغياب من باب اليأس أحيانًا، والنفاق أحياناً أخرى، أو بسبب قلّة وجود المتلقين في محيطهم، والذين تمكن مشاركتهم أي حديث في السياسة والثقافة عن أحوال البلد، أو عدم الاكتراث وعدم الاهتمام السابق في سوريا بالشأن السياسيّ، وهذا الأخير يسود بكثرة في صفوف سوريّين لا يحبّذون أي تناول من قبلهم للشأن السياسيّ السوريّ، ويبحثون عن حياة "عاديّة وهادئة" لهم ولعائلاتهم تشبه حياتهم في سوريا قبل 2011، " التنوع ذاك هو ما يفترض أن يكون من بداهات الحياة وطبيعتها، وسذاجتها أحياناً، في نفس الوقت". ولدى سؤالهم عن سبب اللجوء وحياتهم قبل اللجوء وبعده من قبل أي إيطالي، يأتي الجواب كما جاء في فيلم "المنطقة صفر": إنّها الحرب.  

 

هذا الجواب: "الحرب"، هو راهن سوريا اليوم، والتي استحال الصراع فيها اليوم إلى حرب داخليّة وحرب خارجيّة مباشرة وبالوكالة، إلا أنه يغفل تمرحلات الصراع وبداياته وتحولاته. تعمل وسائل إعلام غربية على الإشارة إلى ما يحدث في سوريا بكلمتين: "الحرب الأهلية". وهو قولٌ، وإن يكن صحيحاً وقد باتت سوريا اليوم في قاع هذه الحرب، إلا أنه كان دينَ وديدَن وسائل إعلامية غربية وازنة ومؤثرة منذ 2011، ناهيك عن الإعلام العربي الذي يتحول تبعاً لتحولات مواقف "طويلي العمر" من نظام الأسد اليوم. "المنطقة صفر" ليس إلا أنموذجاً واضحاً للاستسهال ومحاولة تعميم الأحكام المسبقة تجاه شرق سحري، غارق في الماضي والحنين، لا يتطلع إلى المستقبل وبلدان أفضل. وإذا كان ثمة سوريون كثر في إيطاليا وغيرها يعممون هذه النظرة النمطية بشكل مقصود او غير مقصود عن بلدهم، فإن هذا الفيلم "وغيره من أفلام" لا يندرج إلا في إطار التنميط المقصود الذي لن يصب في النهاية إلا ضمن محاولات تعويم الطاغية، وهو التعويم الذي بات اليوم أمراً واقعاً.

 

 وبالعودة إلى مأمون الوادي، اللاجئ السوري في مخيم الزعتري، نشرت وسائل إعلام سوريّة وعربيّة عند عرض الفيلم مقالات مفادها أنّه "وخلال حوار معه على هامش أحد عروض الفيلم التي قُدمت في الأردن، عبّر الوادي ورفيقه جاسم عن آمالهما بالعودة إلى بلادهم التي تشهد نزاعا داميا تسبب منذ آذار/ مارس 2011 بمقتل أكثر من 250 ألف شخص، على يد النظام السوريّ، ونزوح أكثر من نصف السكّان داخل سوريا وتهجير أكثر من أربعة ملايين خارجها".

 

الوادي، إذا، حمّل المسؤولية الرئيسيّة للنظام السوريّ على ما يبدو من الكلام المنشور في الإعلام. المسبب هنا إذاً غير مجهول بالنسبة للوادي، بل معروف جيداً تبعاً للكلام المنشور والمنقول عنه. وهذا يطرح سؤالا حول ما إذا كان قد صرّح بذلك أثناء تصوير مشاهد الفيلم، قبل مرحلة إنتاج الفيلم ثم عرضه، أم أنّه لم يقارب ذلك الموضوع أساسًا. ثمّة فارق كبير بين الحالتين، في المقدّمات والنتائج على مستوى الثقافة والسياسة والمجتمع، والنظرة غير البسيطة إلى اللاجئ السوريّ من قبل القائمين على تقديم موادّ ثقافيّة للحديث عن سوريا، والعمل على تنميطه القسري، في حال لم يقم هو بتقديم نفسه مادّة خامة جاهزة للتنميط والأحكام المسبقة.

 

 

 
 

 

المشاركة
عرض المزيد