مقالات بدايات

ماذا كنّا نشاهد؟ ماذا كنّا نشاهد؟

07/06/2017

”في الفترة الأخيرة، يبدو أنّ النقاشات حول معنى الفيديوهات الآتية من سوريا قد خفتت. لعله الوقت المناسب إذاً لنسأل أنفسنا ماذا كنّا نشاهد في السنوات الستّ الأخيرة“

الكاتب: اسطفان تارنوفسكي

 

 

لم يعد لمعنى الكلمات العلاقة نفسها بالأشياء، لقد غيّرتْه كما تراه ملائماً. بات الفعل المتهوّر شجاعةً أمينة؛ والتأنّي الحذر حجّة الجبان؛ والاعتدال قناع الضعيف؛ وأن تعرف كلّ شيء هو ألا تفعل شيئاً.

- توسيديدس عن فساد اللغة خلال الثورة في كورفو، في كتاب “تاريخ مختصر للأخلاق” لألسدير ماكنتاير.

 

 

 

يراودني هذا السؤال تقريباً كلّما ضغطت على كليب من سوريا. وما أن أقرأ تفسيراً يحاول أن يثبت معنى واحداً وناجزاً، حتّى يظهر كليب آخر ويقوّضه. وحين أحاول أن أبدأ بصوغ نظرية عن الفيديوهات الآتية من سوريا، أجد فئة كاملة من الكليبات تجافي تحليلي. من المستحيل، ربّما، كتابة نظرية حاسمة عن الفيديوهات التي ظهرت في سوريا مع الثورة في ٢٠١١.

 

في الفترة الأخيرة، يبدو أنّ النقاشات حول معنى الفيديوهات الآتية من سوريا قد خفتت. لعله الوقت المناسب إذاً لنسأل أنفسنا ماذا كنّا نشاهد في السنوات الستّ الأخيرة. يهدف هذا التمرين إلى الابتعاد قليلاً عن الكتابة عن الفيديوهات الآتية من سوريا والتي حاولت أن تصنّف الكليبات. وأودّ، بدلاً من ذلك، أن أضع ثلاثة أطر للتفسير جنباً إلى جنب لاستكشاف الأجوبة التي يقترحها كلٌّ منها لسؤال ذي حدّين: الأوّل، ماذا تلتقط الصور- ماذا كنّا نشاهد؟ والآخر: كيف علينا أن نفهم شكلها- ماذا كنّا نشاهد؟

 

 

صور شاعريّة من سوريا

 

في سلسلة من العناوين الفاصلة التي تظهر ببطء على الشاشة، تروي بداية “ماء الفضة” (٢٠١٤) قصة الفتى الذي خطّ الشعار الثوري “الشعب يريد إسقاط النظام” على أحد جدران مدينته درعا. يروي النص السردية المؤسِّسة للثورة السورية: التوقيف اللاحق للشاب وتعذيبه، الاحتجاجات السريعة لعائلته الكبرى، والردّ الأرعن للسلطات التي أبلغتهم “أنسوه. أنجبوا أطفالاً آخرين. وإن كنتم لا تستطيعون ذلك، أجلبوا لنا نساءكم لنساعدكم”. ثمّ، يفصح المخرج أسامه محمد عن موقف مستفزّ. تسودّ الشاشة شيئاً فشيئاً، ليظهر بعدها عنوان فاصل أخير بإيحاءات توراتية: “بدأت السينما، وكانت السينما”. اسوداد نهائي، وعندها فقط ينتقل محمد إلى صور التظاهرات في درعا التي تُعَدّ بداية الثورة السورية.

 

 

هذا هو الموقف التأسيسي للتفسير الشاعري للفيديوات الآتية من سوريا.[1] الفيديوهات هي سينما والناس الذين صوّروها، هم الذين يسمّيهم محمّد الألف سوري وسوري، هم مخرجون. ينبغي التشديد على أنّ الثورة والصورة السينمائية ليستا رديفتين بالنسبة لأسامة محمد: ليستا وليدَتيْ اللحظة نفسها. فقد شكلت ولادة نوع معيّن من الصور نذيراً لولادة الثورة. وهذا النوع من الصور هو أداة الثورة. ولذلك، يسبق العنوان الفاصل “وكانت سينما” (صور) الثورة ويمهّد لها.

 

في العام ٢٠١٤ أيضاً، نشر زاهر عمرين وشاد الياس مقالاً بعنوان “سينما سوريا الناقصة”. وقد ركّزا فيه، كأسامه محمد، على الطاقة الشاعرية للفيديوهات السورية. وكان محمد قد صنّف الكليبات كأنواع سينمائية: “واقعية، فانتازيا”؛ وابتدع أنواعه الخاصّة، “سينما القاتل، وسينما القتيل”؛ قبل أن يقع أخيراً على جملة “سينما شاعرية”. فيمكن تصنيف كل الكليبات كسينما شاعرية. لدى زاهر عمرين وشاد الياس تصنيفات مختلفة، لكن منطقهما مماثل. فهما يقسّمان الأفلام إلى “فيديوهات عفوية ونصف عفوية (مخرجون هواة)”؛ أفلام وثائقية نصف احترافية (مخرجون غير محترفين)؛ وأفلام وثائقية صنعت للتلفزيون والسينما (مخرجون محترفون)”[2]. رغم اسماء هذه التصنيفات، لا يقوم أساس هذا التقسيم على أنماط الإنتاج والتوزيع والانتشار، بل على جودة الصور الجمالية.

 

الياس وعمرين مهتمّان بشكل خاص بـ”الفيديوهات العفوية ونصف العفوية”- الكليبات التي سمّاها أسامة محمد “السينما الشاعرية”. وهما يقترحان تفسيراً لهذه الصور يرجع إلى نظرية خوليو غارسيا اسبينوزا حول “السينما الناقصة”، التي ترى أنّ السينما المتمكّنة تقنياً وفنياً “تكاد تكون دائماً سينما رجعية”. عبر التخلّي عن النوعية والتقنية، تطلّع اسبينوزا إلى سينما ديموقراطية جذرية تكسر أعراف الجماليات البورجوازية. وفقاً لهذه النظرية، تملك سينما سوريا الناقصة بدورها احتمالات ديموقراطية جذرية. عبر تسخير الميّزات التكنولوجية والجمالية للهاتف المحمول، باستطاعة أيّ كان أن يصبح مخرجاً وأن يحرّك “اللغة السمعية البصرية الجديدة”: الصور المبكسلة والمهتزّة؛ والصوت والصورة غير الممنتجين؛ وكاميرا التلفون المحمول عن قرب.[3]

 

كذلك، نشر كتّاب آخرون كبيتر سنودن تنويعات على هذا الموضوع. مستنداً إلى رانسيير، يرى سنودن أنّ لقطات الفيديو تشكل محاولة لـ”إعادة توزيع المحسوس”. بمعنى آخر، الفيديوهات هي مداخلات سياسية أوجدت الشروط التي أتاحت للتطلعات السياسية السورية بأن يراها النظام وتسمعها شعوب العالم.

 

في محاضرته الأدائية وتجهيزه “الثورة المبكسلة”، اعتبر ربيع مروّه أنّ قوّة الصور السورية ترتكز إلى ميّزاتها الجمالية. وهذه الميزة الجمالية- كون الصور منخفضة الدقة ومبكسلة، وبـ “قيمة إنتاجية متدنية”- هي التي تصبغ اللقاء النموذجي الذي يقيمه مروه بين المتظاهر الذي يصوّر بكاميرا تلفونه وجنديّ يطلق النار من بندقية قنّاص. “كما تعرفون طبعاً”، يخبرنا ربيع مروه من خلف مكتب، مستخدماً الإخراج نفسه للمحاضرات الأكاديمية ليمنح سلطةً لتخميناته، “تكمن أهمية الصور الرقمية ودقّتها المنخفضة والمبكسلة في حقيقة نشوئها خارج النُظم المضبوطة والمؤسسات الرسمية”.[4] ورغم أنّ مروه يتابع متحفّظاً بأنّ السلطات والسوق والدول يمكنها استملاك الصورة المبكسلة، فإنّ تحفّظه هذا يبقى أقرب إلى جملة اعتراضية. فحجّته تقوم أساساً على انشطار بين الصورة صعبة المنال والثورية والمنخفضة الدقّة من جهة، والصورة المهادنة والمسلَّعة والعالية الدقة من جهة أخرى.

 

 

تستعيد آراء مروه المقالة الشهيرة “دفاعاً عن الصورة الرديئة” لهيتو ستيرل التي قدّمت  أعمالاً مشتركة مع مروه. باتت المقالة التي كُتبت في العام ٢٠٠٩، أي قبل الثورات العربية بعامين، ركيزة أساسية لمعظم الترحيب الذي حظيت به الصور الآتية من سوريا واحتمالاتها الثورية. ترى ستيرل أنّ ثمّة هرميّة أشبه بـ”مجتمع طبقيّ” للصور تبعاً لنقاوتها ودقّتها.[5] ووفقاً لذلك، يمكن عقد مقارنة تلقائية: الصور الرديئة التي تتحدّى إعلام السلطة في سوريا توازي المتظاهرين الذين يتحدّون القوى الأمنية النظامية.

 

هناك بعض الحقيقة في ذلك. فقد استخدم المتظاهرون كاميرا تلفوناتهم وكلّ وسيلة أخرى متوفّرة لرفع الصوت بشأن ما يجري على الأرض. واتّضح سريعاً أنّ النظام يستعدّ لاستخدام كلّ القوّة التي يملكها للقضاء على التظاهرات، وأنه كان يستهدف كلّ من يحاول توثيقها. وقد عرف السوريون الذين لا تزال أحداث حلب وحماه خلال السبعينيات والثمانينيات في ذاكرتهم، ما هو ثمن الصمت. كان هناك صراع حقيقي على التمثيل (representation). لكن الصحيح أيضاً هو أنّ الفضائيات العربية، حين بدأت الثورات العربية، لم تمانع عرض الصور المبكسلة تلقائياً ضمن تغطيتها. كانت مهتمّة بتأمين الصور أكثر من اهتمامها بضمان نوعيّة تلك الصور. في الواقع، أعطت الصور المبكسلة هالةً من الأصالة للتغطيات.

 

لكنّ ربيع مروّه يتجاوز، في الواقع، هذه المقارنة بين الصورة الرديئة وتلك التي تتحكّم بها الدولة، والمقارنة بين المتظاهر والقوى الأمنية. ويرى، في المقابل، أنّ الصور الرديئة هي نفسها من يواجه قوى النظام الأمنية. من المبالغة الخلط بين هذا الموقف وبين الحتمية التكنولوجية التبسيطية- فكرة أن الانتفاضات العربية قامت بسبب انتشار الهواتف الذكية وإمكانياتها التكنولوجية والتعبئة الشعبية التي تتيحها شبكات التواصل الاجتماعي. لكن هناك قواسم مشتركة هامّة بين الموقفين. فالتفسير الشاعري للصور لا يهتمّ إلا عَرَضاً بكيفية صناعة الصور: فما هي أنماط الإنتاج الأكثر تعقيداً التي تخفيها الجماليات المبكسلة المحتفى بها، والتي أتاحت للكليبات بأن تصنّف ببساطة كـ”معدّة من قبل المستخدم” (user-generated)؟ وماذا عن مضمون الأفلام نفسها؟ إذ ليس من الصواب طبعاً التعاطي مع صورة مبكسلة لتعذيب أو اغتصاب أو ضرب أو توقيف أو موت على يد النظام بالطريقة نفسها التي يتمّ التعاطي فيها مع صورة مبكسلة لتظاهرة فرحة أو مرعبة.

 

في أيلول ٢٠١٤، نشر اثنان من أصدقائي الفايسبوكيين، الأوّل في بيروت والثاني في القاهرة، نشرا على الفايسبوك كليباً من يوتيوب عنوانه “صبيّ سوري يدّعي الموت مرّتين لإنقاذ فتاة صغيرة من القنّاص”. يظهر الكليب المصوّر بواسطة كاميرا هاتف نقّال على الأرجح، رجلاً يهرب من مبنى تعرض للقصف باتجاه طريق رمليّ تحت نيران القنّاص. يطلق تجمّع من الناس يبدو أنهم يقفون خلف الكاميرا هتافات التشجيع. وفيما تدور الكاميرا متجاوزةً سيارة محترقة، تلتقط صبيّاً ممدّداً في وسط الطريق. يهتف المصوّر: “عم يتحرّك”! ويقول رجل آخر: “هادا حيّ، مو ميت!” تلتقط الكاميرا الصبيّ يقف ببطء ثمّ ينطلق راكضاً. يطلق القنّاص طلقة أخرى؛ تظهر سحابة من الدخان قرب الصبيّ؛ يتوقّف الصبيّ ويقع أرضاً؛ يهتف الرجال: “الله أكبر”! يبدأ أحدهم بتمتمة صلاة الميت فيما يقول آخر، “مات الصبيّ”. لكنّ الصبيّ ينهض من جديد. تصرخ الجموع: “إنّه يتحرّك”! فيما ينتشل الصبيّ فتاة صغيرة، كانت خارج الإطار حتّى الآن، تختبئ وراء السيارة المحترقة. ثمّ تحت وابل نيران القنّاص، يسحبها إلى شاطئ الأمان.

 

 

كالملايين الذين شاهدوا هذا الكليب، تأثّرت به كثيراً. كأنّه يعيدك إلى الأيام الأولى للثورة، زمن بطولات المواطنين الصحافيين، زمن ما قبل داعش، حين واجه المدنيون نظام الأسد بلا خوف، مسلّحين بأصواتهم وبكاميراتهم وقوّة أعدادهم وحسب. لاقى الكليب انتشاراً واسعاً، ووصل حتّى إلى الصحافة العالمية، بعدما كانت قد ندرت الأخبار الجيدة من سوريا.

 

لكن تبيّن بعد بضعة أسابيع أنّ كليباً بعنوان “صبيّ سوريّ بطل” قد جرى فبركته من قبل مخرج نروجيّ يدعى لارس كليفبرغ. ومن خلال صور “ما وراء الكواليس” التي نُشرت بعد الكشف عن الخدعة، يظهر أنّ الكليب قد صُوِّر بكاميرا SLR الباهظة الثمن. جماليات الصور المهزوزة والملتقطة باليد كانت أشبه بالمؤثّرات الخاصة. حصل الكليب الذي يتجاوز طوله الدقيقة الواحدة بقليل، على تمويل بقيمة ٢٧،٠٠٠ جنيه استرليني من معهد الفيلم النروجي. “كان فيلماً بميزانية منخفضة حقاً. الناس يقدّمون عادة للحصول على تمويل أكبر من ذلك”، يقول أحد أعضاء المعهد.

 

وفقاً للبي.بي.سي، نُشر الفيلم على حساب المخرج على يوتيوب قبل أسابيع. “لكن عرفنا من النظام الحسابي (algorithm) أنّه لن يلقى انتشاراً واسعاً”، يقول كليفبرغ، “ولهذا حذفناه وأعدنا نشره”. لقد أضافوا كلمة “بطل” إلى العنوان، ونشروه على تويتر. ثمّ التقطته شبكة شام التي نشرته على يوتيوب، ليبدأ بجذب “اهتمام عالمي”.

 

ادّعى المخرج النروجي أنّه يريد أن “يحثّ على السجال” بشأن الأحداث في سوريا، وخصوصاً بشأن “الأطفال الأبرياء الذين يتأثرون بالحرب في كل العالم”. كان واضحاً أنّ نظرة كليفبرغ إلى اللقطات المصورة، وبخلاف أولئك الذين تابعوا الأحداث منذ ٢٠١١، لم تكن مؤطّرة بالاتهامات الاعتيادية لوسائل إعلام النظام السوري بأنّ لقطات اليوتيوب مزوّرة، وأنّه جرى تصوير معظمها داخل استوديوهات تلفزيونية في قطر. في الواقع، لطالما ندّد النظام بلقطات المعارضة التي تجرّمه كونها مفبركة، ولو اهتمّ كليفبرغ بمعرفة ذلك، لكان ربما قد بدأ يعي نتائج فيلم الإثارة القصير الذي أخرجه والذي استولى على الجماليات الثورية الشعبية والمبكسلة في طور دفاعه عن حياة الأطفال المهدّدين بالحرب في سوريا.

 

من وجهة نظر النظام، لقد جرى تفسير الكليب وقراءته كدليل على أنّ أيّاً من اللقطات التي توثّق قتل الأطفال ليس حقيقياً. في مقال نشر في سانا، الموقع الإلكتروني لوكالة الأنباء التابعة لوزارة الإعلام،  

أعلنت وزارة الإعلام أن هناك خمسين نروجياً يقاتلون حالياً في صفوف “المنظمات الإرهابية” في سوريا- والإشارة هنا إلى داعش. لقد أدرك النظام قيمة بروز سوق لكليبات على اليوتيوب من أجل إعادة تأكيد أقواله المأثورة الساخرة: ليس هناك ثورة سورية، إنها مجرّد مؤامرة إعلامية، وأنهم يقاتلون عصابات مسلحة إرهابية، وأنّ الخيار هو بين الأسد وداعش.

 

صور جنائية من سوريا

 

لا يمكن التفسيرَ الشاعري للصور أن يأخذ في الحسبان وقائع مثل “صبي سوريا البطل”. أمّا التفسير الجنائي للصور الآتية من سوريا، فإن كان بوسعه أن يفعل شيئاً، فهو التحقّق من مضمون الأفلام، وما كان ليقع أبداً في خداع كليفبرغ.

 

يعيش إليوت هيغينز في منزل في إحدى ضواحي لستر، وهي مدينة اقليمية في ميدلاندز الانجليزية. لم يذهب إلى سوريا يوماً، وهو لا يتكلّم أو يقرأ العربية. لكنه اشتهر كأفضل خبير بالأسلحة المستخدمة في سوريا، وكمرجع بشأن لقطات الفيديو السورية. وقبل “بيلينغكات” الذي أطلق حديثاً، لم يكن لديه أي مكتب، وكان يعمل من غرفته من خلال نطاق “بلوغسبوت” للمدوّنات. رغم ذلك، وصفه أحد الصحافيين بأنه أطلق قصصاً صحفية في الأعوام الثلاثة الأولى على مدوّنته أكثر ممّا يفعل معظم الصحافيين طيلة حياتهم المهنية. لقد استخدم لقطات مصوّرة ليثبت أنّه رغم حظر التسليح، فإنّ الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي يتغاضيان عن تزويد الثوار السوريين بأسلحة من كرواتيا تعود لحرب يوغوسلافيا السابقة؛ كما أثبت عدداً لا يحصى من الهجمات التي شنّها النظام السوري بالأسلحة الكيميائية؛ وقدّر الإحداثيات المرجّحة لإعدام جايمس فولي من قبل داعش؛ وكشف ووثّق استخدام القنابل العنقودية من قبل النظام السوري؛ وفنّد عدداً لا يحصى من الأكاذيب والخدع وأساليب التستّر من قبل حملات القصف الروسية لمناطق سكنية ومدارس ومستشفيات.

 

 

يصف هيغينز نفسه كشخص ملتزم بأصول التحقيق المفتوح المصدر. وبهذا المعنى، فإنّ عدم إتقانه العربية أو عدم ذهابه إلى سوريا لا تأثير لهما. بإمكان هيغينز أن يعتمد على مشاعات الإنترنت، وعلى أشخاص يمتلكون طريقة التفكير نفسها لمساعدته في فك الشيفرات والترجمة وتحديد الأمكنة والتأكّد من الوقائع، عبر إرسال تغريدة واحدة لا غير. إنّه خبير في المحتوى المعدّ من قبل المستخدم، ويسعده أن يشارك معرفته بالأدوات والتقنيات.

 

بالنسبة لهيغينز وللصحافيين الاستقصائيين العاملين على الإنترنت من أمثاله، يمكن لفيديو من   سوريا أن يعني أموراً كثيرة: معطيات للتحقق منها أو لدحض روايات عبر مراجع متقاطعة؛ أو دليل على جريمة تمّ ارتكابها؛ أو ركيزة لعدالة مستقبلية. بهذا المعنى، لدى هيغينز علاقة براغماتية مع الكليبات الآتية من سوريا. فهي كلها مفيدة، بما في ذلك اللقطات المصوّرة من قبل محطّة تلفزيونية مؤيدة للنظام، أو الحكومات الإيرانية أو الروسية، أو طائرات الاستطلاع، أو الناشطين، أو الميليشيات الجهادية، أو المواطنين- الصحافيين، أو ببساطة الأقمار الصناعية. كل ذلك هو عبارة عن معلومات، معطيات يمكن التحقق منها، ثمّ تحريكها لمهاجمة روايات معينة أو الدفاع عنها من أجل بناء صورة عن الحقيقة من المحتمل استخدامها في المحاكم.

 

إنّ فكرة احتواء الصور على أدلّة يمكن استخدامها كأرضيّة لعدالة مستقبلية، برزت خصوصاً في أعمال إيال وايزمان.[6] من خلال “الهندسة الجنائية”، وهو فريق البحث الذي يديره في جامعة غولدسميث، يدعو وايزمان لاعتماد توجّه جديد مع الصور بشكل خاص ومع العالم المادي بشكل عام. ذلك أنّ إخضاع الدول للمحاسبة عبر جمع مهارات الفنانين والناشطين والمحامين والصحافيين والأكاديميين هو فكرة مغرية. يرى وايزمان في هذه الفكرة تحوّلاً ضمنياً تسعى منهجيته للبناء عليه:[7]

 

“ضمن حقل التحقيق بجرائم الحرب، ثمة تحوّل منهجي أدّى مؤخراً إلى نوع من الضبابية. الأولوية المعطاة للشهود وللأبعاد الذاتية واللغوية للشهادات والصدمات والذاكرة- أولوية كان لها تأثير ثقافي وجمالي وسياسي كبير لدرجة أنها أعادت تأطير نهاية القرن العشرين كـ”عصر الشاهد”- هذه الأولوية جرى استكمالها (إن لم نقل تجاوزها) بحساسية جنائية صاعدة، ثقافة قضائية ترتكز على الشيء وتغوص بالمادة والقضايا المادية، رمزياً وشكلياً، وفي تقديم التحقيقات العلمية من قبل الخبراء”.

 

من دون شك، لطالما كان الدافع الأوّلي للناشطين السوريين هو محاولة تجميع أدلّة على الانتهاكات التي يرتكبها النظام. كان طيف حماه مخيّماً منذ أيام الثورة الأولى حين أطلق النظام النار على المتظاهرين العزّل، ليساهم في تصاعد التظاهرات السلمية باتجاه الصراع المسلّح، وليفرج عن الجهاديين من سجونه حتى يشكّلوا الميليشيات ويضعفوا المعارضة، ويملأ شبكته الهائلة من السجون السرّية بالتوقيفات الجماعية، ثمّ يفجّر، ويستخدم البراميل المتفجّرة والغاز في القرى والبلدات والضواحي والمدن السورية. لطالما كان حضور الصحافيين الأجانب نادراً في سوريا، وأولئك الذين بقوا خضعوا لرقابة صارمة ولم يتمكنوا من القيام بأي تغطية مميزة للثورة الفتية. ظهرت طفرة بالصحافيين الأجانب لمدّة قصيرة، سرعان ما جرى القضاء عليها بالقتل والخطف. إذاً، بغياب صحافيين تقليديين، كانت هناك محاولات منهجية من قبل التنسيقيات الصاعدة حيث كانت تتشكل سياسة ديموقراطية قاعدية، لتوزيع كاميرات وعتاد، وتنظيم مشاغل لتدريب المصورين على التوثيق المنهجي لانتهاكات النظام. وقد جذب ذلك انتباه الحكومات الأجنبية، وثمّة تقارير تشير بأن البريطانيين والكنديين والهولنديين مولوا التدريب والعتاد للتنسيقيات.[8] وبرزت حينها صورة المواطن الصحافي.

 

لكنّ نقطتي ليست أن هناك فئة من الكليبات ينبغي أن نفهمها كـ”جنائية” مقابل فئة أخرى “شاعرية”. إليوت هيغينز أو إيال وايزمان لا يكترثان بالضرورة لمن صوّر اللقطات أو ما كان غرض المصوّر- فالهدف هو “تجاوز الشهادة الإنسانية”.[9] لقد صرّح هيغينز أنّه يتردّد في الحديث إلى الناشطين على الأرض لأنه “شعر بأن ذلك يفسد قليلاً نقاوة ما كنت أفعله”.[10] في هذا البحث عن نقاوة الدليل يمكن للقطات المصورة من قبل النظام أن تكون مفيدة تماماً كاللقطات المعادية للنظام.

   

التحليل الجنائي هو نمط من تفسير الحقائق بناء على الصور وتحليل تلك الحقائق واستخدامها واستغلالها وكشفها وبنائها. يغلب الجانب البراغماتي على المعالجة الجنائية للمادّة: ماذا يبرهن هذا الكليب؟ وفي الاستخدام المحدد للصور العنيفة، ثمّة إحساس بأنّ المقاربة يمكن أن تكون نفعية: هل تفوق المكاسب من استخدام كليب ما أي خسائر أو مآخذ محتملة؟ يظهر الجانب النفعي للمقاربة الجنائية أيضاً في الطريقة التي يبدو أن المحللين يموضعون أنفسهم من خلالها خارج النزاعات، ليقوموا بتحليلات موضوعية للأرباح والخسائر. هل يمكن لكليب محدد، أو مجموعة كليبات، أن تنظَّم في حجّة محددة تؤثر على سردية ما، أو تبرهن نقطة، أو تظهر للعيان فعلاً أو رد فعل؟ الأهداف الضمنية جديرة بالاحترام لأنّ ما يطلبه المحقق الجنائي في النهاية ليس إلا استخدام الصورة من أجل الحقيقة والعدالة.

 

لكن لنعد إلى السؤال الأساسي: ماذا كنّا نشاهد؟ التفسير الجنائي للصور لا يسائل مطلقاً شكل الفيديو. إنه يكتفي بفهم الصور كتمثيل لشيء ما يحدث في مكان ما على وجه الأرض، في المفهوم الوايزماني. كل صورة هي مسرح جريمة، هي الأشياء التي تترك أثراً لكشف معناه. بهذا المعنى، كلها مضامين، معطيات خام. لكن فيما يستطيع هيغنز، على سبيل المثال، أن يستكشف كل الميليشيات التي تملك نظام أسلحة معين، أو أن يلاحق أي أسلحة استخدمت وفي أي نقطة من الصراع وأن يقدّر وفقاً لذلك تفاقم الصراع، فإنّ المقاربة الجنائية لا تضع الفيديو أبداً ضمن شبكة العلاقات الاجتماعية والتكنوسياسية التي كانت ضرورية لإنتاجه. في السنوات الأخيرة في سوريا، ساد استعجال باتت معه المقاربة الجنائية على استعداد لقبول ما هو متعارف عليه بالنسبة لشكل الصور؛ فتصبح تلك اللقطة التي أنتجتها ميليشيات الثوار مثلاً مجرد بروباغندا.[11]          

 

لكن، في الواقع، باستطاعة الكليبات التي يمكن التفسير الجنائي أن يقبلها كبروباغندا أن تشارك بحيوية في اقتصاد الحرب. فإن شاهد خمسمئة أو حتى خمسون شخصاً فقط واحداً من الكليبات التي لا تحصى والتي تطلقها إحدى الميليشيات وهي تستخدم سلاحاً معيناً، لنقل صاروخ “تاو” المضاد للدبابات، فإلى أي مدى يمكننا حقاً أن نسمّي هذا الكليب بروباغاندا؟ الإجابة المتعارف عليها هي أنّ الميليشيات تطلق فيديوهات بأسلحة متطورة تكنولوجياً لتستقطب مجنّدين. لكن إلى أي مدى يبدو ذلك واقعياً؟ هل ينتظر الشبّان في سوريا فعلاً أن يروا إن كان فصيل معيّن قد حصل على أسلحة أميركية مضادة للدبابات كي يلتحقوا به؟ أرجو أن أُظهر أنّ شكل الصورة يحمل ما هو أبعد ممّا يلتقطه هذا التفسير.

 

 

صور سلعيّة من سوريا

 

من غير المنطقي أن ننظر إلى كليبات يوتيوب أو مجموعات التواصل الاجتماعي، كسلع. فالسلعة بالطبع هي شيء مصنوع ليباع ويشرى. ما بعد سنودن، باتت قيمة السوق للمعطيات التي نفرزها بشكل دائم على الإنترنت، معروفة على نطاق واسع. ربما بسبب السلاسة التي يجري فيها تحميل اللقطات والدخول إليها، ما زلنا ننظر إلى يوتيوب بشكل واسع كاحتياطيّ من المادة المعدة من قبل المستهلك، وليس كمادة نتجت عن نمط إنتاج متطور.

 

في أواخر ٢٠١٣، بعد المحاولة الفاشلة لإقناع البرلمان بمحاسن التدخل العسكري غداة هجوم نظام الأسد بالأسلحة الكيميائية على إحدى ضواحي دمشق، أقامت الحكومة البريطانية روابط مع المعارضة المسلحة السورية. وكما كشفت وثائق اطلعت عليها الغارديان، في ٦ تشرين الثاني ٢٠١٤، أطلقت الحكومة البريطانية ثلاث مناقصات لمجموعة مختارة من الشركات. حمل أحد هذه البرامج الموسومة “تجاري- حساس” عنوان “تواصل استراتيجي وعمليات إعلامية لدعم المعارضة السورية المسلحة المعتدلة”.

 

وفقاً لهذه الوثيقة، فإنّ “هدف المشروع هو المساهمة في بناء معارضة سورية مسلحة معتدلة ذات مصداقية وفاعلية من خلال “ستراتكوم” [أي التواصل الاستراتيجي، باللغة العسكرية للمشتريات العالمية] وتعزيز قدرات العمليات الإعلامية”. توحي الوثيقة أيضاً أن الغاية من هذه السياسة- دعم الإعلام المعارض- هي تنمية تأثير تكتيكي على المعارضة السورية المعتدلة. تتابع الوثيقة: “ينبغي أن يأخذ ذلك شكل الدعم المنسَّق مركزياً لقوى الثورة السورية، على المستويين التشغيلي والتكتيكي، مع القدرة على التمدد نحو الحيّز الاستراتيجي حين تسنح الفرصة، للمساعدة في بناء صلة وصل فعالة بين المعارضة السياسية والعسكرية”.

 

مُوِّل العقد من قبل الـ”كونفليكت بول البريطانية”. من المهمّ أن نفهم ما هي “الكونفلكت بول” قبل أن ننتقل إلى البرنامج. الـ”كونفلكت بول” هي صندوق تأسس بواسطة مساهمات من أربع دوائر حكومية: الخارجية والدفاع والداخلية والتنمية العالمية. وهي تقوم على فكرة إمكانية تجنّب النزاعات أو إدارتها عبر مزيج من الدبلوماسية والدفاع والأمن الداخلي والتنمية.

 

بتمويل من الـ”كونفليكت بول”، رسا طرح المناقصات على شركة لإنشاء مكتب إعلامي مركزي للجيش السوري الحر. الشركة البريطانية التي ربحت المناقصة هي “ريجيستر لاركن”. وفقاً للعقد معها، جرى تكليفها بإجراء تغيير في السياسة المتّبعة. لكن كان من الصعب أن يتم حصر الجيش السوري الحر ولقطات يوتيوب المصوّرة في إدارة واحدة. رغم ذلك، اعتُبر الاثنان مفيدين. “وفقاً لذلك اعتمدت مقاربة “من تحت لفوق””، تقرّ الوثيقة. واستمرّت ريجيستر لاركن” في دفع الأموال للكليبات نيابة عن الـ”كونفلكت بول”.

 

 

من مكاتبها قرب مطار اسطنبول، أنشأت لاركن الشركة الأولى من شركتي التمويه ذات الطاقم السوري-المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية- لإدارة اتصالات الجيش السوري الحر. إضافة إلى الطبقة العليا من الموظفين البريطانيين، وحدهم الموظفون السوريون الكبار في هاتين الشركتين كانوا على علم بالروابط العميقة بين “ريجيستر لاركن” والحكومة البريطانية. أو على الأقل، لم يطرحوا الكثير من الأسئلة ما داموا يجنون أكثر من زملائهم العاملين في شركات إعلامية أخرى.

 

على صفحة يوتيوب الخاصة به، اهتمّ المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية بشكل أساسي بنشر ثلاثة أنواع من الكليبات: توثيق النجاحات العسكرية والأسلحة المستخدمة؛ الاجتماعات بين الضباط الكبار في المعارضة المسلحة المعتدلة؛ وكليبات من الأخبار التلفزيونية التي تتناول الناطقين الكبار باسم المعارضة المسلحة المعتدلة. سأركّز في ما يأتي على توثيق الأسلحة المستخدمة.

 

تكشف نظرة سريعة على هذه الصفحة أنّ الغالبية العظمى من هذا النوع من اللقطات المصورة تُظهر  استخدام سلاح محدّد: صاروخ التاو المضاد للدبابات. التاو هو سلاح متطوّر ظهر للمرّة الأولى على صفحة يوتيوب الخاصة بقوى الثورة السورية في أيار ٢٠١٤. برزت تقارير بشأن مشاهدات هذا السلاح في سوريا في وسائل الإعلام قبل خمسة عشر يوماً من ذلك- براون موزز كان أحد المدوّنين الأوائل الذين علقوا عليها- ثمّ كشفت الواشنطن بوست أنّها توفّرت كجزء من برنامج التدريب والتجهيز الأميركي. حاز فيديو التاو الأوّل على صفحة اليوتيوب الخاصة بقوى الثورة السورية على قرابة أربعمئة وخمسين مشاهدة حتى اليوم. من الواضح أنّه كان موجّهاً لجمهور متخصّص، وليس إلى الجمهور العريض.

 

 

بحلول صيف ٢٠١٥، كان أكثر من عشرين ألف فيديو تاو قد تدفّق على موقع يوتيوب. علمتُ من مقابلات عدّة أنّ السلاح قد تأمّن بشرط واحد: وجود فيديو يوثّق كل طلقة لهذا الصاروخ ويُظهر فِعل الإطلاق والهدف، وما إذا كان هذا الأخير قد أصيب بنجاح. يجب أن يحمّل هذا الفيديو على يوتيوب، ولن تتأمن الصواريخ البديلة إلا بعد تحميله. كانت الفيديوهات المحمّلة على الإنترنت تقايَض إذاً بالذخيرة.

 

تلك الكليبات هي أكثر من مجرد صور تمثيلية تلتقط “واقع” ساحة المعركة. إنها سلع فاعلة في اقتصاد الحرب، ومساهمة فيه بشكل مباشر. فبمبادلة الكليب بأسلحة وأموال وحلفاء، تحت إدارة الحكومات الغربية، يتّضح أنّ صناعة كليب على اليوتيوب يمكن أن تكون فعلاً حربياً.

 

هناك طرق أخرى لمناقشة تسليع كليبات اليوتيوب الآتية من سوريا. فقبل مقايضة الفيديوهات بصواريخ تاو بكثير، كانت الصحف والفضائيات تدفع ثمن اللقطات المصورة وبدلَ تدريب مواطنين صحافيين وتؤمّن لهم عتاداً. لقد أدارت الحكومة الأميركية مشروعاً عبر شركة متعهدة أخرى من أجل تأمين أبراج إنترنت فضائي ردّاً على محاولات الحكومة السورية قطع الإنترنت بشكل كامل. لقد دفعت إذاً، من جهة توفير البنية التحتية، من أجل استمرار تدفق المعلومات من المعارضة السورية. يمكنني أن أذكر عدداً لا يحصى من الأمثلة الأخرى التي عثرت عليها في مقابلات أو قرأت عنها في مقالات.

من نواحٍ عدة، لم يكن التسليع سلبياً. مرة أخرى، كان شبح حماه مخيّماً، كمجزرة اكتنفتها الظلمة وارتكبت بصمت. لكن، من سخرية القدر أنّه عوضاً عن حماه، لدينا مجزرة ترتكب ليس فقط في وضح النهار بل أيضاً وسط إدراك الجميع بأنّه رغم الدعوات المستمرة للتدخّل، فإنّ تدخّلاً من نوع ما قد حصل. لكنّ هذا التدخّل مبنيّ على التبشير عبر وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، وهو تدخّل غير فعّال، وإن كان استعراضياً.

 

ماذا كنّا نشاهد؟

 

يمكن تعيين المقاربات الثلاث لفهم الكليبات الآتية من سوريا وفقاً لأجوبتها على المكوّنين الاثنين لسؤالنا المحوري: ماذا تبيّن هذه الصور، وكيف علينا أن نفهم شكل الصورة؟ وفقاً للقراءة الشاعرية، فإن هذه الصور تبيّن الثورة، وانّ شكلها ثوريّ. بالنسبة للمقاربة الجنائية، الجواب هو أنّها صور جرائم (مسارح جريمة)، وصور كأدلّة.

 

من محاسن فهم كليبات اليوتيوب كسلع، أو على الأقلّ كسلع مخفية،[12] هو أنه يدفعنا للانتباه إلى الرابط بين العلاقات المادية والاجتماعية التي تُنتج فيها ومن خلالها. أن نفهمها كصور لعلاقات اجتماعية مجمّدة وغير متماثلة أصلاً. تصبح الصور غير منفصلة عن هذه العلاقات المادية والاجتماعية. فيضطرّ المرء لمقاربة قيمتها المعلوماتية بشكل نقديّ وألا يأخذ ميّزاتها الجمالية من دون تمحيص.

 

لا يعني ذلك أنّه ينبغي إهمال الجماليات. لعلّ إحدى سيئات التفسير الجنائي هو أنّه يعير قليلاً من الاهتمام للميزات الجمالية للصور. جماليات الصورة مهمة. فهي تضفي قوة مؤثرة وتؤدّي، كما يقول رانسيير، إلى “توزيع المحسوس” بطرق تساعد على جعل المطالب السياسية مسموعة. إنها تساعد على إثارة الناس وتحريكهم. لكن يمكنها أيضاً أن تساعد على تأديب الشعوب واستتباب النظام.

 

يعير التفسير الشاعري اهتماماً للجماليات طبعاً، لكن هذا يعني أننا نصدّق داعش. إنّهم يستخدمون صورًا عالية الدقة، ولذلك فإنّهم دولة. أو نسيء فهم صور التعذيب النظامية. إنها مبكسلة، ولذلك علينا أن نقبل عنوان الكليب من دون تمحيص حين يقول إنه سرِّب من سجون النظام، ولم يُنشَر من قبل النظام نفسه كجزء من حملة متطوّرة لتأديب شعب آمن وترهيبه. هذا مصدر قلق رئيسيّ بشأن ما فعله أسامه محمد من إعادة توزيع لصور التعذيب وتصنيفها كسينما.

 

لكنّ فهم كل الصور الآتية من سوريا كسلع لديه عيوبه، خصوصاً أنّه ليس هناك نظام شامل. فكيف نتعاطى مع أفلام أبو نضاره الأسبوعية مثلاً؟ ليس لها بالطبع أي قيمة بالنسبة للمفسّر الجنائي: لا تحوي معلومات يمكن استخدامها لبرهان أو دحض سرديّة معيّنة. حقيقتها أكثر مواربة من ذلك. وهي لا يتاجر بها أيضاً كسلع: لا أحد يشتريها ويبيعها حتى لو وجدت طريقها إلى عالم الفن المعاصر المسوّق بإفراط. إنها منخفضة الميزانية، لكنها مصورة بدقة عالية. وكونها كليبات مجهولة الاسم، تبقى أنماط إنتاجها غير واضحة فلا يسعنا إلا أن نتكهّن بمدى تعقيدها.

 

لمّا كان أيٌّ من هذه التفسيرات ليس قاطعاً، نبقى نحن نشاهد، مصعوقين ومأخوذين بالصور الآتية من سوريا التي تكشف وتخفي في الآن نفسه. ونبقى واعين أنّ ما نحلّله ليس منظومة شمولية، ولذلك فإنّ النظريات الشموليّة تبقى قاصرة لا محالة.

 

 

 

للنسخة الانغليزية من المقال اضغط هنا

 

ــــــ

اسطفان تارنوفسكي هو كاتب وباحث ومترجم. يتابع حالياً دراسة الدكتوراه في دائرة الأنثروبولوجيا في جامعة كولومبيا. عمل سابقاً في مركز بيروت للفن، وشارك في «برنامج فضاء أشغال داخلية» لأشكال ألوان. عمل أيضاً كباحث لعدد من الفنانين والمخرجين

 

 

 

 


[1] بالإضافة إلى استنادي لتصنيفات اسامة محمد، فإنّ استخدامي لمصطلح شاعري هو استخدام خاطئ صلف وجاهز لمفهوم “بويزيس” عند هايدغر، صناعة شيء ما، الذي يناقشه في كتاب “ما هي التقنية”. “بويزيس” هو نوع من الاستخدام  غير المغترب للتكنولوجيا، الشكل الأسمى للتقنية، المضاد لـ”التجريد” حيث تستخدم التكنولوجيا لتطويع الطبيعة أو لاستخراج الموارد. إنّ هذا الإحساس الخالي من الاغتراب هو ما أودّ التشديد عليه في سوء استخدامي لهايدغر. بالنسبة لهايدغر، ينطوي استخدام التكنولوجيا على خطر كبير، كأن تفتح علبة باندورا، حتى حين تستخدم بمعناها الأسمى والأكمل كـ”بويزيس”. لقد عنيت كلّ ذلك في استخدامي لـ”شاعرية” هنا.

[2] شاد الياس وزاهر عمرين، “السينما المنقوصة لسوريا”، في “سوريا تتحدّث”، ص….

[3] المصدر نفسه ص ٢٦٢.

[4] ربيع مروه، “الثورة المبكسلة”، مجلة “ذو دراما ريفيو”، المجلّد ٥٦، العدد ٣، خريف ٢٠١٢، أم. آي.تي بريس ص.٢٦

[5] هيتو ستايرل، “دفاعاً عن الصورة الرديئة”، مجلة إي-فلكس العدد رقم ١٠، تشرين الثاني ٢٠٠٩، http://www.e-flux.com/journal/10/61362/in-defense-of-the-poor-image/، تمّ الدخول إليه في ٢٠ شباط ٢٠١٧.

[6] يستخدم وايزمان أصل كلمة جنائي لتفسير طريقته: فهي عائدة إلى كلمة فورنسيس التي تعني “الانتماء إلى المحفل”. رغم أننا نربط بين العلوم الجنائية والمحاكم بشكل أساسي، فإنّ المحفل الروماني كان في الأصل “فضاء متعدّد الأبعاد في السياسة والقانون والاقتصاد”. غالباً ما استخدم وايزمان المحكمة في مشاريعه البحثية عند التعاون في تحقيقاته مع منظمات غير حكومية، لكنه مهتمّ بالقدر نفسه بالجوانب المتعددة الأبعاد لأسلوبه. وهو أيضاً يبني- وهذه استعارة تربط الأسلوب الجنائي بدراسته كمهندس معمار- محافل جديدة للبحث عن الحقيقة والعدالة اللتين ليستا مرتبطتين بالضرورة بالمحكمة، بما في ذلك التعاون مع فنانين.

إيال وايزمان، “مقدمة: فورنسيس” في فورنسيس: عمارة الحقيقة العامة، تحرير إ. وايزمان، شترنبرغ برس (برلين:٢٠١٤)، ٩.

[7] إيال وايزمان، ملاحظات من الحقول والمحافل، مجلة دوكومانتا ١٢، ٥

[9] فورنسيس، ١٠

[10] “رجل الصاروخ”، نيويوركر، ٢٥ تشرين الثاني ٢٠١٣

 [11] أنظر مثلاً

[12] أستخدم هذا المصطلح بالطريقة نفسها التي أبقى فيها تاريخياً أعضاء بعض الديانات والأقليات هوياتهم سرية لتجنّب اكتشاف أمرهم من قبل السلطات. الاستلاب السلعي، وفقاً لوصف ماركس الشهير، يعني أنّ العلاقات الاجتماعية المعنيّة بتداول السلع هي مخفيّة ولا تظهر إلا كعلاقة بين أشياء. السلع المخفية تخفي بدورها حقيقة أنّها سلع حتّى، إضافة إلى العلاقات الاجتماعية المعنية. 

 

المشاركة
#الصورة  # فيديو  # سوريا  # مقال  
عرض المزيد